
ركبت عربية الشرطة وأنا حاسة إني مش رايحة بيت أخويا…
أنا رايحة لمكان تاني تمامًا.
-
السلةمنذ 11 ساعة
-
العالم انتهيمنذ 11 ساعة
-
كاميرونيمنذ 11 ساعة
-
كاميرونيمنذ 11 ساعة
مكان كنت بدخله زمان وأنا مطمنة.
أدخل ألاقي أخويا بيضحك.
ولاده بيلعبوا.
مراته بتعمل شاي.
دلوقتي نفس البيت بقى فيه مخزن فيه طفلين…
وحيطة جواها حاجة أخويا خبّاها قبل ما .
والأغرب…
إن اسمي مكتوب عليها.
طول الطريق وأنا بسأل نفسي سؤال واحد:
أخويا كان خايف من إيه؟
وصلنا البيت.
كان فيه عربية شرطة واقفة قدام الباب.
والشريط متحطوط حوالين جزء من الحوش.
أول ما نزلت…
رجلي وقفت.
لقيت عربية أخويا القديمة لسه مركونة جنب البيت.
مغطاة تراب.
كانت هي نفسها اللي كان بياخدني بيها المشاوير ويقوللي:
— اركبي يا ست الكل.
غمضت عيني ثانية.
المحقق ناداني:
— اتفضلي.
دخلت.
ريحة البيت لوحدها كانت كفاية تخنقني.
الأثاث اتغير.
الصور اختفت.
حتى صورة أخويا الكبيرة اللي كانت معلقة في الصالة مش موجودة.
سألت:
— صور أخويا فين؟
واحد من الفريق قال:
— مفيش صور تقريبًا في البيت.
حسيت حاجة سخنة طلعت لصدري.
حتى صوره شالتها.
مش بس من حياتها…
من حياة ولاده كمان.
نزلنا ناحية المخزن.
أول ما شفت الباب، قلبي وقع.
مزلاج حديد كبير من بره.
وباب تقيل.
جواه…
بطانيتين رفيعين على الأرض.
طبق بلاستيك صغير.
إزازات مية فاضية.
وهدوم أطفال.
وفي ركن بعيد…
كانت العربية الزرقا اللي اشتريتها.
حطيت إيدي على بوقي.
مش قادرة أصدق إن ده المكان اللي ابن أخويا كان بينام فيه.
المحقق أشار ناحية الحيطة.
جزء من الطوب كان مختلف عن باقي الحائط.
كأن حد قفله بعد ما عمل فتحة صغيرة.
وفوقه بقلم أسود باهت…
كان مكتوب اسمي.
مش الاسم كامل.
اسم الدلع اللي أخويا لوحده كان بيناديني بيه.
وقتها عرفت.
مفيش احتمال إن حد غيره كتب الكلمة دي.
قربت.
لمست الحيطة بإيدي.
وقلت وأنا صوتي بيترعش:
— دي خط إيده.
المحقق قال:
— متأكدة؟
— مية في المية.
بدأوا يفتحوا الجزء ده بحذر.
كل ضربة في الطوب كانت بتوجعني.
لحد ما ظهرت فتحة صغيرة.
واحد من الضباط مد إيده…
وطلع كيس بلاستيك مقفول كويس.
جواه…
هارد ديسك صغير.
موبايل قديم.
ومظروف.
المحقق لبس قفازات وطلع المظروف.
على ضهره مكتوب:
“لأختي… لو حصل لي حاجة.”
رجلي خانتني.
قعدت على الكرسي البلاستيك اللي جنب الحيطة.
قلت:
— افتحه.
قال:
— لازم يتسجل الأول كدليل.
قلت بعصبية:
— ده مكتوب باسمي!
— فاهم، لكن لازم نمشي بالإجراءات.
استنيت.
دقايق حسيتها ساعة.
اتصور المظروف.
اتسجل.
وبعدين فتحوه قدامي.
جواه ورقتين.
المحقق بصلي.
— تحبي تقري؟
مديت إيدي.
كانت بتترعش.
مسكت الورقة.
خط أخويا.
أول سطر كان:
“لو إنتِ بتقري الكلام ده، يبقى غالبًا أنا ماقدرتش أقولك بنفسي.”
دموعي نزلت.
كملت.
“أنا بدأت أشك إن فيه حاجة غلط بتحصل في بيتي.
مش عايز أتهم حد ظلم، لكن بقالي فترة بحس إني تعبان بطريقة مش طبيعية.
دوخة.
غثيان.
ضربات قلبي بتتلخبط.
وفي كل مرة التعب يزيد بعد ما أشرب أو آكل حاجة في البيت.”
وقفت.
بصيت للمحقق.
قال:
— كملي.
نفسي بقى تقيل.
رجعت للورقة.
“عملت تحاليل من غير ما أقول لحد.
والدكتور قال إن فيه حاجة في النتائج محتاجة متابعة.
أنا مخبي نسخة من التحاليل على الهارد.”
إيدي بردت.
كملت.
“المشكلة مش أنا بس.
أنا اكتشفت كمان إن مراتي بتكذب عليا بخصوص شخص بييجي البيت وأنا مش موجود.
شوفت رسائل.
وصورت جزء منها.
أنا مش عارف العلاقة بينهم وصلت لإيه.
لكن من أسبوع سمعتها بتقوله في التليفون:
استحمل شوية… وكل حاجة هتخلص.”
وقفت عن القراءة.
المحقق مد إيده:
— ممكن أشوف؟
اديته الورقة.
قرأها بسرعة.
سأل:
— فيه صفحة تانية؟
فتحت الورقة التانية.
وكانت أصعب.
“لو حصل لي حاجة، متصدقيش أول تفسير تسمعيه.
ومتسيبيش ولادي لوحدهم.
حتى لو قالتلك إنهم مش عايزين يشوفوكي.
ابني متعلق بيكي.
والبنت بتحبك.
أنا عارف إني بطلب منك كتير…
بس لو أنا مشيت، خلي عينك عليهم.”
ماقدرتش أكمل.
الورقة وقعت من إيدي.
فضلت أعيط من غير صوت.
نفس الجملة كانت بتخبط في دماغي.
“متسيبيش ولادي لوحدهم.”
وأنا سيبتهم.
مش بإرادتي.
لكن سيبتهم.
كل مرة صدقت عذر.
كل مرة رجعت من على الباب.
كل مرة قلت لنفسي:
احترمي أمهم.
المحقق قعد قدامي.
قال:
— بصيلي.
رفعت عيني.
— إنتِ ماكنتيش تعرفي.
قلت:
— بس هو حذرني.
— التحذير كان مستخبي في حيطة. إزاي كنتِ هتعرفي؟
ماعرفتش أرد.
بصيت ناحية المخزن.
وفجأة جه في بالي سؤال.
قلت:
— استنى.
المحقق بصلي.
— إيه؟
— أخويا كتب إن ابنه متعلق بيا.
— أيوه.
— طب ليه خبّى الحاجة هنا؟
سكت.
قلت:
— المخزن ده زمان محدش كان بيدخله غير أخويا.
لكن بعد موته…
إزاي الطفل عرف إن فيه حاجة في الحيطة؟
المحقق رفع حاجبه.
دي كانت نقطة جديدة.
رجعنا المستشفى.
الولد كان صاحي.
قعدت جنبه.
ما سألتوش عن الحبس.
ولا الإصابة.
قلت بس:
— فاكر بابا لما كان بيدخل المخزن؟
بصلي.
هز راسه.
— آه.
— شوفته بيعمل حاجة في الحيطة؟
سكت شوية.
وبعدين قال:
— مرة.
— عمل إيه؟
— حط حاجة.
— وإنت شوفته؟
— كنت مستخبي.
ابتسم ابتسامة صغيرة لأول مرة.
— كنت بلعب معاه استغماية.
دموعي لمعت.
— وقالك حاجة؟
هز راسه.
— قاللي: لو بابا سافر بعيد أوي… خلي عمتك تيجي هنا.
حطيت إيدي على صدري.
— فاكر قال إمتى؟
— قبل ما ينام وميرجعش.
قصد قبل ما يموت.
المحقق كان واقف بعيد بيسمع.
سأل الطفل بهدوء:
— يا بطل، بابا قالك تفتح الحيطة؟
الولد قال:
— لأ.
— طب إزاي عرفت إن الحاجة لسه هناك؟
رفع كتفه.
— ماما ماعرفتش.
جمدنا كلنا.
المحقق قرب.
— ماما كانت بتدور عليها؟
الولد بصله.
— كتير.
— إمتى؟
— بعد بابا ما راح عند ربنا.
— كانت بتدور على إيه؟
قال:
— الصندوق.
المحقق سأل:
— أنهي صندوق؟
الولد عمل بإيده حجم صغير.
— حاجة بابا خبّاها.
قلت:
— هي كانت عارفة إنه خبّى حاجة؟
هز راسه.
— كانت بتقول: أبوك كان بيخبي حاجات عني.
بلعت ريقي.
المحقق قال:
— وكانت بتسألك إنت؟
الولد هز راسه.
وبعدين قال:
— قالت لو قلتلها هتخليني كبير البيت.
سكت.
— ولما ماقلتش؟
ملامحه اتغيرت.
بص للسقف.
— ابتدت لعبة الشاطر.
قلبي وقع.
يعني الحبس…
يمكن ماكانش عقاب عشوائي.
يمكن كانت بتحاول تخليه يتكلم.
المحقق خرج فورًا يكلم الفريق.
بعد ساعة تقريبًا، جه خبير تقني علشان يفحص الموبايل والهارد.
قال إن جزء كبير من الملفات لسه موجود.
وفيه صور.
رسائل محفوظة.
وتسجيلات صوتية.
واحد من التسجيلات كان بتاريخ قبل وفاة أخويا بأسبوع.
طلبوا مني أسمعه.
الصوت كان واضح.
صوت أخويا.
قال:
— أنا مسجل الكلام ده احتياط.
اتسمع صوت باب بيتفتح.
وبعدين صوت مراته.
وصوت راجل.
هو نفسه اللي الشرطة قبضت عليه.
الراجل قال:
— إحنا لازم ننهي الموضوع.
مرات أخويا ردت:
— مش دلوقتي.
— هو بدأ يشك.
— سيبه يشك.
— وإنتِ ناوية تعملي إيه؟
سكتت ثواني.
وبعدين قالت:
— هو أصلاً تعبان.
الراجل رد:
— إنتِ قلتيلي إن اللي بتديهوله بس بيخليه ينام.
قلبي وقف.
بصيت للمحقق.
هو كمان وشه اتغير.
التسجيل كمل.
مرات أخويا قالت:
— وطي صوتك.
الراجل:
— أنا مش داخل في مصيبة.
— محدش قالك تعمل حاجة.
— طب بطلي اللي بتعمليه.
صوت خبطة.
وبعدين التسجيل اتقطع.
فضلنا ساكتين.
المحقق قال:
— كده الوضع اتغير.
قلت:
— يعني هي كانت بتحطله حاجة؟
قال:
— محتاجين تحليل وفحص الأدلة. التسجيل لوحده مش كفاية يحدد مادة أو سبب وفاة.
لكن أنا كنت عارفة.
أو على الأقل…
بدأت أفهم.
الوفاة المفاجئة.
عدم وجود تاريخ مرضي.
العلاقة السرية.
اختفاء اللابتوب.
بحثها عن الحاجة اللي خبّاها.
ومن بعدها…
إبعاد الأطفال عن العيلة.
المحقق قال:
— ممكن نحتاج نطلب فتح ملف وفاة أخوكي من جديد.
هزيت راسي.
— اعملوا كل حاجة.
وقبل ما يخرج، تليفونه رن.
رد.
وشه اتغير.
— إيه؟!
سكت.
— إمتى قالت الكلام ده؟
بص ناحيتي.
قفل المكالمة.
قلت:
— حصل إيه؟
قال:
— مرات أخوكي طلبت تتكلم.
— قالت إيه؟
رد:
— اعترفت إنها كانت الأطفال.
غمضت عيني.
لكن المحقق كمل:
— بس بتقول إن موضوع أخوكي مالوش علاقة بيها.
قلت:
— والتسجيل؟
قال:
— بتقول إن فيه تفسير.
ضحكت بمرارة.
— تفسير لإيه؟
سكت لحظة.
ثم قال:
— وبتقول إن الراجل اللي معاها هو اللي كان بيحط المادة لأخوكي من غير علمها.
قلت:
— وهو بيقول إيه؟
المحقق بصلي.
— بيقول العكس تمامًا.
اتنين.
كل واحد بيرمي التهمة على التاني.
لكن كان فيه شخص تالت…
شاف جزء من الحقيقة.
طفل صغير.
ابن أخويا.
اللي كان عنده تلات سنين وقت وفاة أبوه.
رجعت له.
قعدت جنبه.
قلت:
— يا حبيبي… فاكر يوم بابا تعب؟
وشه شحب.
قال:
— آه.
— فاكر مين كان في البيت؟
سكت.
شفايفه اترعشت.
قلت بسرعة:
— خلاص، مش لازم تقول.
لكنه مسك إيدي.
وبصلي.
وقال:
— الراجل كان هناك.
كل جسمي اتجمد.
— أنهي راجل؟
همس:
— اللي فتح لنا الباب النهارده.
المحقق سمع الجملة.
دخل بسرعة.
— إنت متأكد؟
الولد هز راسه.
— كان واقف في المطبخ.
المحقق قال:
— يوم بابا مات؟
هز راسه.
وسكت ثواني.
وبعدين قال حاجة خلت الغرفة كلها تصمت:
— وماما كانت بتعيط عليه قبل ما بابا يقع.
قلت:
— يعني إيه؟
الولد ضغط على إيدي.
وقال:
— كانت بتقوله: “إنت وعدتني إن محدش هيتأذى.”
بصيت للمحقق.
هو ما قالش كلمة.
طلع موبايله فورًا.
وفي اللحظة دي فقط فهمنا إن الراجل اللي فتح باب المخزن وأنقذ الأطفال…
يمكن ماكانش بطل الحكاية.
يمكن رجع بعد تلات سنين…
لأنه كان خايف إن طفل عنده ست سنين يفتكر اللي شافه ليلة أبوه.
بعد ما ابن أخويا قال:
— الراجل كان هناك يوم بابا مات.
المحقق ما سألش أي سؤال تاني قدامه.
خرج من الأوضة فورًا، وبعد أقل من عشر دقايق كان فيه حركة غريبة في المستشفى.
مكالمات.
ناس داخلة وخارجة.
وضابط طلب مني أفضل جنب الأطفال وما أتكلمش معاهم عن ليلة أبوهم تاني.
وفهمت السبب.
ابن أخويا مش مجرد طفل محتاج حماية.
هو شاهد.
شاهد صغير جدًا…
على حاجة حصلت وهو عنده تلات سنين.
ويمكن هو نفسه ماكانش فاهم وقتها اللي شافه.
لكن ذاكرته احتفظت بتفاصيل محدش كان عارفها.
تاني يوم الصبح، جه متخصص واتكلم معاه بهدوء.
أنا ماحضرتش الجلسة.
فضلت قاعدة بره وأنا حاضنة أخته.
البنت كانت كل شوية تبص للباب وتسأل:
— أخويا هييجي؟
وأقول:
— هييجي يا حبيبتي.
بعد حوالي ساعة، الباب اتفتح.
طلع ابن أخويا على كرسي متحرك.
أول ما أخته شافته، مدت إيديها.
قال لها:
— أنا كويس.
حتى وهو …
كان لسه همه يطمنها.
المحقق خرج بعده.
وشه كان مختلف.
قلت:
— قال إيه؟
قال:
— مش هقدر أدخل في كل التفاصيل دلوقتي، لكن كلامه مهم جدًا.
قلت:
— فاكر إيه من الليلة دي؟
بص ناحية الأطفال الأول، وبعدها أخدني بعيد.
قال:
— فاكر إن والدته كانت في المطبخ مع الراجل.
قلبي دق.
— وبعدين؟
— فاكر إن أبوه دخل عليهم واتخانقوا.
— أخويا شافه؟!
— على كلام الطفل، أيوه.
غمضت عيني.
يعني أخويا اكتشف كل حاجة في الآخر.
سألت:
— وبعدها؟
قال:
— الطفل سمع صوت كوباية وقعت. وبعدها أبوه دخل الأوضة وهو تعبان.
— والراجل؟
— خرج من البيت.
— وهي؟
المحقق سكت ثانية.
— فضلت مع جوزها.
قلت:
— وبعدين اتصلت بالإسعاف؟
قال:
— بعد فترة.
اتجمدت.
— قد إيه؟
— ده اللي بنحاول نحدده.
قلت:
— بس أخويا مات من تلات سنين. إزاي هتثبتوا حاجة دلوقتي؟
قال:
— الأدلة الرقمية مهمة. فيه تسجيلات ونتائج تحاليل قديمة، وفيه رسائل بين الاتنين. وكمان هنراجع التقرير الطبي بالكامل.
سكت.
وبعدين قال:
— وفيه حاجة لقيناها على الهارد.
— إيه؟
— فيديو.
نفسي وقف.
— فيديو إيه؟
— أخوكي سجل نفسه قبل وفاته بيوم.
حسيت رجلي ضعفت.
قلت:
— أقدر أشوفه؟
تردد.
وبعدين قال:
— بما إنه موجه ليكي، آه.
بعد شوية، دخلت أوضة صغيرة.
حطوا اللابتوب قدامي.
ظهر أخويا على الشاشة.
وشه كان مرهق.
أضعف من آخر مرة فاكرها.
بص للكاميرا وقال:
— لو وصلتي للفيديو ده، يبقى أنا كنت صح إني أقلق.
دموعي نزلت فورًا.
كمل:
— أنا مش عارف أنا بتوهم ولا لأ. بس أنا تعبان بقالي فترة، ومش مرتاح.
سكت شوية.
وبعدين ابتسم ابتسامة صغيرة.
نفس ابتسامته القديمة.
— أهم حاجة عندي الولاد.
مسحت دموعي.
قال:
— ابني بيحاول يعمل نفسه راجل وهو لسه صغير. ماتسيبيهوش يعمل كده.
شهقت من العياط.
كأنه كان شايف المستقبل.
كأنه كان عارف إن ابنه هيشيل أخته على كتفه قبل ما يعرف حتى يعني إيه مسؤولية.
كمل:
— والبنت… دي لسه صغيرة قوي. خليها تفضل صغيرة على قد ما تقدري.
وقف الفيديو لحظة وهو بيبص بعيد.
وبعدين رجع وقال:
— لو أنا غلطان، سامحيني إني خوفتك.
— ولو أنا صح…
سكت.
— ماتصدقيش أي حد يقولك إن الولاد مش محتاجينك.
حطيت إيدي على الشاشة.
— أنا آسفة.
عارفة إنه مش سامعني.
لكن قلتها.
— أنا آسفة إني اتأخرت.
بعد يومين، الشرطة قبضت رسميًا على الراجل.
ومرات أخويا فضلت محتجزة.
كل واحد فيهم كان بيحاول ينقذ نفسه.
هو قال إنها كانت بتحط مادة مهدئة لأخويا في مشروبه.
وإنه كان يعرف، لكنه ماشاركش.
هي قالت إن الراجل هو اللي جاب المادة، وإنها كانت فاكرة إنها حاجة تساعد جوزها ينام.
لكن الرسائل بينهم قالت قصة تانية.
رسالة منها قبل وفاة أخويا بأربع أيام:
“مش قادر يستحمل الجرعة زي الأول.”
ورد منه:
“قلتلك توقفي.”
ورسالة تانية:
“لو الموضوع خرج عن السيطرة، أنا مش موجود.”
بصيت للمحقق.
قلت:
— يعني كان عارف.
قال:
— على الأقل الرسائل بتشير إنه كان عارف إن فيه خطر.
التحقيق استمر.
واتعاد فتح ملف وفاة أخويا.
ماكانش عندي رفاهية أعرف النتيجة بسرعة.
لكن كان عندي حاجة أهم.
الأطفال.
أختهم الصغيرة بدأت تتحسن.
وابن أخويا عمل عملية لتثبيت رجله.
الدكتور قال إنه هيحتاج وقت وعلاج طبيعي.
لكن أكتر حاجة كانت محتاجة علاج…
ماكانتش رجله.
كانت دماغه.
في أول أسبوع عندي، كان كل ليلة يصحى من النوم مفزوع.
يجري، أو يحاول يجري، ناحية أوضة أخته.
مرة لقيته بيزحف من على السرير رغم الجبس.
صرخت:
— إنت بتعمل إيه؟!
قال وهو مرعوب:
— لازم أشوفها!
حضنته.
— هي نايمة.
قال:
— ممكن تاخدها.
— مين؟
بصلي.
— ماما.
قعدت على الأرض جنبه.
قلت:
— محدش هياخدها.
قال:
— وعد؟
قلت:
— وعد.
رد بسرعة:
— بابا كان بيوعد.
الجملة وجعتني.
قلت:
— وأنا كمان بوعد.
قال:
— وبعدين مات.
ماعرفتش أرد للحظة.
وبعدين قلت:
— عارف الفرق؟
بصلي.
— باباك ما اختارش يسيبك.
— وإنتِ؟
— أنا هفضل هنا.
بدأ يعيط.
المرة دي عياط طفل.
مش عياط واحد كبير.
مش “أنا راجل.”
مش “أنا لازم أحمي أختي.”
طفل.
حضنته وفضل يعيط في حضني لحد ما نام.
بعد أسابيع، جه اليوم اللي كنت خايفة منه.
طلبت مرات أخويا تشوف الأطفال.
الطلب اترفض في البداية.
وبعدها اتسمح لها بمقابلة قانونية محدودة بشروط شديدة.
لكن ابن أخويا رفض.
قال:
— مش عايز.
سألته الأخصائية:
— ليه؟
قال:
— هتخليني أوعدها تاني.
سألته:
— توعدها بإيه؟
قال:
— إني أسكت.
وبكده انتهى الموضوع.
ماحدش ضغط عليه.
بعد شهور، بدأت القضية تتضح.
التقرير النهائي ماقدرش يرجع الزمن.
لكن التحاليل القديمة اللي أخويا حفظها، مع السجلات الطبية والرسائل والتسجيلات، أثبتت إن فيه مادة دوائية كانت داخلة جسمه بصورة متكررة قبل وفاته.
وكمان اتثبت إن الإسعاف ما اتطلبش فور بداية الأزمة.
والراجل اعترف في الآخر إنه كان في البيت.
قال إنه خرج لما أخويا واجههم.
قال إنه خاف.
قال إنه ماكانش يعرف إن أخويا هيموت.
لكن تسجيلات أخويا ورسائلهم أثبتت إنه كان عارف إن صحته بتتدهور.
أما مرات أخويا…
فواجهت اتهامات مرتبطة بإيذاء الأطفال، وإهمالهم، واحتجازهم، بالإضافة للتحقيق في ظروف وفاة جوزها.
أنا ماحضرتش كل جلسة.
ومابقاش فارق معايا أسمع كل كذبة.
كان فيه يوم واحد بس حضرت فيه.
اليوم اللي دخلت فيه المحكمة وشافتني.
وقفت مكانها.
بصتلي.
وبعدين قالت:
— إنتِ فاكرة إني وحشة؟
ما رديتش.
قالت:
— إنتِ ماكنتيش عايشة معاه. ما تعرفيش كان بيعمل إيه.
قلت لأول مرة:
— حتى لو كان بينكم ألف مشكلة، الأطفال ذنبهم إيه؟
سكتت.
قلت:
— واحد عنده ست سنين كان بيقسم أكله مع أخته.
بصت بعيد.
— كان بيزحف برجله المكسورة علشان يجيبها عندي.
عينيها دمعت.
لكن المرة دي ماقدرتش أتعاطف.
قلت:
— كان ممكن في الطريق.
قالت:
— أنا ماكنتش ناوية…
قاطعتها:
— دي أكتر جملة سمعتها منك.
“ماكنتش ناوية.”
ماكنتيش ناوية جوزك يموت.
ماكنتيش ناوية الأطفال يجوعوا.
ماكنتيش ناوية رجله تتكسر.
ماكنتيش ناوية تحبسيهم المدة دي.
— طب إمتى النية تبقى مسؤولية؟
ما ردتش.
ومشيت.
بعدها بفترة، صدر قرار إن الأطفال يفضلوا في رعايتي.
اليوم اللي الورق اتوقع فيه رسميًا…
رجعت البيت.
كنت متوقعة أحس بالفرحة.
لكن أول ما دخلت…
بكيت.
لأن وجودهم عندي معناه إن أخويا مش موجود علشان يربيهم بنفسه.
لكن بعدها سمعت صوت ضحكة.
بصيت ناحية الصالة.
البنت الصغيرة كانت قاعدة على الأرض بترسم.
وأخوها جنبها، رجله بدأت تتحسن.
قال لها:
— ده مش بيت.
قالت:
— بيت.
— ده مربع وعليه مثلث!
زعقت:
— بيت!
ضحكت لأول مرة من قلبي.
قربت منهم.
سألت:
— بترسموا إيه؟
البنت قالت:
— بيتنا.
اتجمدت.
قلت:
— بيت مين؟
أشارت لنفسها.
وبعدين لأخوها.
وبعدين ليا.
— إحنا.
ابن أخويا بصلي كأنه مستني رد فعلي.
قلت:
— طب وأنا أوضتي فين؟
البنت رسمت مربع صغير.
— هنا.
قال أخوها:
— دي صغيرة أوي.
قالت:
— هي كبيرة.
ضحكنا.
بعد كام شهر…
رجله خفت.
أول يوم مشي فيه من غير مساعدة، وقف في نص الصالة.
كان متردد.
قلت:
— تعالى.
مشى خطوة.
وبعدين خطوة.
وبعدين وصل لي.
حضنته.
قلت:
— برافو يا بطل.
وشه اتغير.
قال:
— بابا كان بيقول كده.
ابتسمت رغم دموعي.
— عارفة.
قال:
— هو كان بيقول البطل بيقوم تاني.
قلت:
— كان عنده حق.
بص ناحية أخته.
كانت بتصفق.
قال:
— بس أنا مش عايز أبقى كبير البيت دلوقتي.
قلبي وجعني وفرح في نفس اللحظة.
قلت:
— ومين قال إنك لازم تبقى كبير البيت؟
قال:
— ماما كانت بتقول.
مسحت على شعره.
— إنت عندك ست سنين.
— يعني أعمل إيه؟
قلت:
— تلعب.
ابتسم.
— وبس؟
— وتغلب أختك في اللعب لو قدرت.
أخته صرخت:
— لأ!
ضحك.
وجري ناحيتها على قد ما رجله سمحت.
وقفت أتفرج عليهم.
وفهمت إن دي يمكن تكون النهاية اللي أخويا كان نفسه فيها.
مش محكمة.
مش اعتراف.
مش انتقام.
بس طفل عنده ست سنين…
يرجع طفل.
وبنت عندها تلات سنين…
تنام من غير ما تخاف إن الباب يتقفل عليها.
بعد سنة تقريبًا، أخدتهم نزور قبر أبوهم.
حطينا ورد.
البنت قالت:
— بابا شايفنا؟
قلت:
— ربنا أعلم يا حبيبتي.
ابن أخويا فضل ساكت.
وبعدين قرب من القبر.
قال:
— أنا خليت بالي منها.
دموعي نزلت.
لكنه كمل:
— بس عمتي قالت مش لازم أفضل أعمل كده لوحدي.
مسكت إيده.
قال:
— وهي دلوقتي بتخلي بالها مننا إحنا الاتنين.
وقبل ما نمشي…
طلع من جيبه العربية الزرقا.
نفس اللعبة اللي لقوها في المخزن.
كان طلبها بعد ما الشرطة خلصت فحصها.
حطها جنب الورد.
قلت:
— مش عايز تحتفظ بيها؟
هز راسه.
— لأ.
— ليه؟
بص للقبر.
وقال:
— دي كانت معايا وأنا محبوس.
وبعدين مسك إيد أخته.
— وأنا مش محبوس تاني.
مشينا.
وفي الطريق، البنت شدته وقالت:
— اجري!
قال لها:
— رجلي لسه بتوجعني شوية.
قالت:
— طب امشي بسرعة!
ضحك.
وبدأ يمشي وراها.
وقفت أبص عليهم.
من سنة…
الولد ده وصل باب بيتي وهو بيزحف.
والنهارده…
ماشي على رجليه.
مش بس رجله اللي التأمت.
حياته كلها بدأت تلتئم.
يمكن بعض الجروح تفضل علامة.
ويمكن بعض الأسئلة عمرها ما تلاقي إجابة ترضينا.
لكن فيه حاجة اتعلمتها بالطريقة الأصعب:
لما طفل يقول كلمة زي:
“تاني”…
ماينفعش نتعامل معاها كأنها كلمة عادية.
ولما طفل يبقى ساكت زيادة عن اللزوم…
أحيانًا السكوت مش هدوء.
أحيانًا السكوت بيكون الحاجة الوحيدة اللي اتعلم يعملها علشان يفضل آمن.
وأنا لحد النهارده…
كل ما أشوف ابن أخويا بيلعب مع أخته وأسمعهم بيتخانقوا على لعبة أو على آخر قطعة شوكولاتة…
بفرح.
لأنهم أخيرًا بقوا بيتخانقوا على حاجات الأطفال.
مش على مين ياكل ومين يجوع.
مش على مين ينام جنب الباب.
ومش على مين يفضل صاحي علشان يحمي التاني.
أخويا كتب قبل ما يموت:
“خلي عينك عليهم.”
اتأخرت.
وده وجع هيفضل معايا.
لكن من اليوم اللي وصلوا فيه لبابي…
ماسيبتهمش تاني.
ولا هسيبهم.
تمت.







