
الفصل الأول: ما كُسر في الثامنة عشرة لم تكن أزل تعرف، وهي في الثامنة عشرة، أن بعض الأعمار لا تُقاس بالسنوات، بل بما يُنتزع من الإنسان فيها. كانت في ذلك الوقت لا تزال على عتبة الحياة؛ فتاة نحيلة، يسبق قلبُها عقلَها، وتؤمن أن الحب قادر على أن يهزم كل شيء، وأن يدًا واحدة تمسك بها في الوقت المناسب قد تكون كافية لتمنع العالم كله من السقوط فوق رأسها.
-
في محل بقالةمنذ 6 ساعات
-
وانا ١٤ سنةمنذ 6 ساعات
-
درجة رجال اعمال للكاتبة اسما السيدمنذ 6 ساعات
-
ايد بنتي حكايات زهرةمنذ يوم واحد
وكانت تلك اليد، في خيالها على الأقل، يد شاهين.
ابن عمها.
رفيق طفولتها.
والرجل الوحيد الذي تخيلت يومًا أن تبدأ معه حياتها.
لكن الحياة، كما ستعرف لاحقًا، لا تعبأ كثيرًا بما يتخيله الذين في الثامنة عشرة.
في ذلك الصباح، كانت أمها قد أغلقت باب الغرفة خلفها بعنف، ثم أمسكت أزل من شعرها كأنها لا تمسك ابنتها، بل تمسك فضيحة تريد خنقها قبل أن تخرج إلى الناس.
تألمت أزل، وارتفع جسدها تلقائيًا وراء قبضة أمها.
— سيبي شعري يا أمي… بالله عليكي وجعتيني.
لكن أمها لم ترحم ارتجاف صوتها.
شدتها أكثر، وقالت من بين أسنانها:
— إنتِ عايزة تفضحينا يا بنت المركوب؟! ملقتيش غير ابن دلال السحّارة تحبيه؟!
رفعت أزل وجهها إليها، وقد امتلأت عيناها بالدموع.
— شاهين ابن عمي يا أمي… مش غريب.
— ابن عمك اللي على الحديدة! هيأكلك حب يعني؟
— هو بيشتغل… وهيشتغل أكتر.
ضحكت أمها ضحكة قصيرة ساخرة.
— وهيجيبلك بيت منين؟ وهيصرف عليكي منين؟ ولا إنتِ فاكرة الجواز قعدة تحت شجرة وقلبين مرسومين على الحيطان؟
ابتلعت أزل بكاءها وقالت:
— أنا مش طالبة حاجة… أنا عايزاه هو.
وهنا تغيّر وجه أمها.
صفعتها.
لم تكن الصفعة هي الأقسى، بل ما جاء بعدها.
— وإحنا مش عايزينه.
تجمدت أزل.
قالت أمها:
— مراد ابن خالتك طلبك.
رمشت أزل ببطء.
ظنت للحظة أنها لم تسمع جيدًا.
— مين؟
— مراد.
خرجت منها ضحكة مرتبكة.
— مراد؟! مراد عنده أربعين سنة يا أمي!
— راجل.
— أكبر مني باتنين وعشرين سنة!
— وده أحسنلك. راجل عاقل، شاف الدنيا، مسافر الخليج وعنده شقته وفلوسه.
حدقت فيها أزل وكأنها تراها للمرة الأولى.
— بس أنا مش عايزاه.
ردت الأم بلا تردد:
— ومين قال إن حد مستني رأيك؟
في تلك اللحظة، سقط شيء داخل أزل.
شيء لم تسمع له صوتًا.
لكنه ظل مكسورًا فيها سنوات طويلة.
انتشر خبر الخطبة في البيت أسرع مما استطاعت هي أن تستوعبه.
جاءت خالتها.
جاءت زوجة خالها.
جاءت نساء من العائلة يحملن التهاني والزغاريد وكأن الجميع اتفق على الاحتفال بجنازتها دون أن يخبرها أحد.
وكان اسم مراد يتردد في كل مكان.
“مراد راجل مقتدر.”
“مراد هيعيشها ملكة.”
“مراد عنده شقة هناك.”
“مراد هياخدها الخليج.”
أما أزل، فلم يكن أحد يسألها عمّا تريد.
كانت جالسة في زاوية الصالة، تسمعهم يتحدثون عنها كما لو أنها قطعة أرض انتهى الاتفاق على بيعها.
وفي المساء، دخلت عليها أمها بفستان جديد ووضعته فوق السرير.
— ده تلبسيه لما مراد ييجي.
نظرت أزل إلى الفستان.
ثم إلى أمها.
— أنا مش هقابله.
— نعم؟
— مش هقابله.
اقتربت منها أمها ببطء.
— إنتِ لسه فاكرة إننا بنتناقش؟
— وأنا لسه فاكرة إني بني آدمة.
جاءت الصفعة الثانية.
أقوى من الأولى.
وضعت أزل يدها على خدها، لكن عينيها هذه المرة لم تهربا.
قالت أمها:
— اسمعي يا أزل… الجواز ده هيتم. بالرضا يتم. بالعافية يتم. لكن هيتم.
— ولو هربت؟
سكتت الأم لحظة.
ثم قالت:
— جربي.
كلمة واحدة.
لكن أزل فهمت ما وراءها.
البيت كله ضدها.
القرية كلها ستكون ضدها.
وأمها، التي يفترض أن تكون مأمنها، كانت أول من يغلق الباب في وجهها.
لم ترَ شاهين إلا بعد يومين.
كان واقفًا عند طرف الغيط، حيث كانا يلتقيان أحيانًا بعيدًا عن أعين الناس.
وصلت إليه وهي تلهث من أثر الركض.
كان ظهره لها.
نادته:
— شاهين.
لم يلتفت فورًا.
عرف من صوتها.
وحين استدار، رأت في عينيه شيئًا لم تره من قبل.
الخذلان.
كان في الحادية والعشرين.
نحيفًا، قوي الملامح، بشعر أسود كثيف وعينين حادتين لا تعرفان المواربة.
قال:
— صحيح؟
اقتربت منه خطوة.
— اسمعني بس.
— سألتك صحيح؟
انخفض صوتها.
— أيوه.
أدار وجهه عنها.
— إمتى؟
— بعد أسبوعين.
ضحك بلا فرح.
— بسرعة أوي.
— مش بإيدي.
التفت إليها بعنف.
— دايمًا الجملة دي سهلة.
تراجعت.
— إنت عارف أمي.
— وأنا أعرفك.
— لأ… إنت مش عارف اللي بيحصل في البيت.
— طب قوليلي.
سكتت.
اقترب منها.
— قوليلي يا أزل. أنا واقف أهو.
انهمرت دموعها.
— هي هتموتني.
توقفت ملامحه.
قال بهدوء:
— وأنا موجود.
هزت رأسها.
— مش بالسهولة دي.
— نهرب.
اتسعت عيناها.
— إيه؟
— نهرب.
— إنت بتقول إيه؟
— بقول ناخد بعض ونمشي.
— وبعدين؟
— أشتغل.
— وأهلي؟
— هيهدوا.
ضحكت باكية.
— إنت ما تعرفش أمي.
— وأنا مش خايف منها.
قالت وهي تنظر إلى الأرض:
— أنا خايفة.
سكت طويلًا.
ثم قال:
— بصيلي.
لم تفعل.
— أزل… بصيلي.
رفعت عينيها.
وكانت تلك النظرة كافية لتؤلمه.
قال:
— قوليلي إنك موافقة على مراد.
فتحت فمها ولم يخرج صوت.
— قوليها وأنا همشي.
— شاهين…
— قوليلي إنك عايزاه.
— أنا مش عايزاه.
ظهر شيء كالأمل في عينيه.
لكنه انطفأ سريعًا حين قالت:
— بس مقدرش أهرب.
تصلب وجهه.
— ليه؟
— معنديش مكان.
— عندك أنا.
بكت أكثر.
— إنت لسه في أول حياتك.
— وإيه يعني؟
— يعني لو جريت وراك ممكن أدمرك.
— وأنا لو سبتك تروحي لراجل مش عايزاه هعيش إزاي؟
لم تجد جوابًا.
أدار وجهه عنها، ثم قال بصوت خافت:
— كنت فاكر إنك أقوى من كده.
رفعت رأسها بسرعة.
— متقولش كده.
— أقول إيه؟
— متحملنيش ذنب حاجة أنا مش قادرة عليها.
نظر إليها.
وكان الحب بينهما في تلك اللحظة مؤلمًا أكثر من الكراهية.
قال:
— أنا كنت مستعد أحارب الدنيا كلها عشانك.
ردت وهي تنتحب:
— وأنا مش عايزاك تتحارب بسببي.
— لا يا أزل… إنتِ بس اخترتي الطريق الأسهل.
صفعتها الجملة أكثر مما فعلت يد أمها.
اقتربت منه.
— إنت ظالمني.
— يمكن.
— شاهين…
تراجع.
— الفرح إمتى؟
— الخميس.
هز رأسه.
ثم استدار.
صرخت:
— شاهين!
توقف.
ركضت ناحيته خطوة.
— سامحني.
ظل واقفًا وظهره لها.
مرت ثوانٍ طويلة.
ثم قال:
— ممكن أسامح الدنيا كلها…
انقطع صوته لحظة.
وأكمل:
— إلا إنتِ.
ومشى.
بقيت أزل في مكانها حتى اختفى.
ولم تكن تعرف أن تلك الجملة ستظل تعيش معها سنوات.
جاء الخميس.
ارتدت الأبيض.
وللمرة الأولى في حياتها، كرهت اللون.
النساء يزغردن.
أمها تبتسم.
خالتها تبكي من الفرحة.
أما مراد فكان ينظر إليها كمن ينظر إلى شيء أصبح ملكه.
كان ضخم الجسد، ممتلئ الوجه، واثقًا أكثر مما ينبغي.
اقترب منها بعد كتب الكتاب وقال:
— مبروك يا عروسة.
خفضت عينيها.
قال مبتسمًا:
— مالك ساكتة؟
— تعبانة.
— هتتعودي.
لم تفهم وقتها لماذا أخافتها الجملة.
لكنها فهمت ليلًا.
لم تكن ليلة زفاف.
كانت أول درس قاسٍ في معنى أن يصبح جسد الإنسان مكانًا لا يملك حق الاعتراض فيه.
كان مراد لا يرى خوفها.
أو يراه ولا يهتم.
وحين حاولت أن تبعده عنها، ضاق وجهه.
— مالك؟
— أنا خايفة.
— خايفة من جوزك؟
— استنى بس… واحدة واحدة.
ضحك.
— إنتِ مراتي يا أزل.
كأن الكلمة وحدها تكفي لتسقط كل حق لها.
وحين بكت، لم يتراجع.
وحين توتر جسدها، لم يسأل.
وحين قالت:
— بالله عليك…
قال بحدة:
— بطلي دلع.
لكن الإهانة الأكبر لم تكن في قسوته وحده.
بل في تدخل أمه وأخته بعد ذلك في أكثر لحظاتها خصوصية، وكأن كرامتها لا تعني شيئًا أمام هوسهم بما يسمونه “شرف العيلة”.
جلست أزل في الحمام بعد ذلك، تلف جسدها بقطعة قماش، وتحدق في البلاط.
لم تبكِ.
كان البكاء أقل من الذي تشعر به.
وضعت يدها على فمها حتى لا يسمع أحد صوت أنفاسها المرتجفة.
ثم نظرت في المرآة.
لم تعرف وجهها.
قالت لنفسها بصوت خافت:
— انتي لسه هنا.
لم تكن تعرف لماذا قالتها.
ربما لأنها احتاجت أن تتأكد.
مرت الشهور الأولى ثقيلة.
مراد كان يعتبرها مسؤوليته لا شريكته.
يقرر.
يأمر.
يسألها أين كانت.
ومع من تحدثت.
ولماذا تأخرت.
وكانت أمه وأخته تريان ذلك طبيعيًا.
كلما اشتكت لأمها عبر الهاتف، جاءها الرد نفسه:
— ده جوزك يا بنتي… استحملي.
— بس أنا تعبانة.
— كل الستات بتتعب.
— هو بيهيني.
— الراجل لما يتعصب بيقول كلام.
— أنا مش مرتاحة معاه.
فتنخفض نبرة أمها وتصبح قاطعة:
— البيت اللي خرجتي منه عروسة مترجعيش له غير زائرة.
وهكذا فهمت أزل الرسالة.
لا عودة.
لا باب خلفها.
لا أم تقول: “تعالي.”
كانت وحدها.
بعد عدة أشهر، جلست أمام طبيبة لا تعرفها، تحمل ورقة تحليل في يدها.
قالت الطبيبة بابتسامة:
— مبروك… حامل.
توقفت الدنيا.
نظرت أزل إلى الطبيبة وكأنها قالت لها شيئًا بلغة أخرى.
— حامل؟
— أيوه.
وضعت يدها على بطنها دون وعي.
لم تشعر بالفرحة.
شعرت بالخوف.
كانت قد حاولت تأجيل الحمل بكل ما استطاعت إليه سبيلًا.
لم تكن مستعدة.
لا نفسيًا.
ولا عمرًا.
ولا حتى مع رجل كمراد.
عادت إلى البيت، وأغلقت باب الحمام، وجلست على الأرض.
وبكت.
بكت حتى تورمت عيناها.
لكن بعد أسابيع، سمعت نبض الجنين لأول مرة.
ذلك الصوت الصغير السريع.
صوت حياة لا ذنب لها في شيء.
وحين خرجت من العيادة، كانت تمشي ببطء.
وضعت يدها فوق بطنها وهمست:
— إنت ملكيش ذنب.
ثم بعد لحظة:
— وأنا هحميك.
منذ تلك اللحظة، تغير شيء فيها.
لم تعد تقاوم فقط من أجل نفسها.
صار لديها سبب آخر.
وُلد آدم.
وحين وضعوه بين ذراعيها، شعرت أن العالم للمرة الأولى يمنحها شيئًا دون أن ينتزع مقابله جزءًا منها.
بكى الطفل.
فبكت هي أيضًا.
وقالت له:
— أنا وإنت هننجو.
لم تكن تعرف كيف.
لكنها قررت.
بعد عام، سافر مراد بها إلى الخليج.
وهناك، بعيدًا عن القرية وأمها وثرثرة العائلة، رأت أزل نافذة صغيرة.
التعليم.
كانت قد أنهت الثانوية قبل الزواج بنتيجة تؤهلها للالتحاق بالجامعة.
وفي ليلة، قالت لمراد:
— أنا عايزة أكمل تعليمي.
كان يشاهد التلفاز.
لم ينظر إليها.
— تعليم إيه؟
— كلية.
ضحك.
— وإنتِ ناقصك كلية؟
— نفسي أبقى دكتورة.
التفت لها أخيرًا.
— دكتورة؟
— أيوه.
— وإحنا هنستفيد إيه؟
شدت أصابعها بعضها.
— أنا هستفيد.
ابتسم بسخرية.
— ما أنا بصرف عليكي.
— مش عايزة أفضل طول عمري مستنية حد يصرف عليا.
اختفت ابتسامته.
نظر إليها طويلًا.
— قصدك إيه؟
أدركت أنها أخطأت.
قالت بسرعة:
— قصدي… عايزة آدم لما يكبر يبقى فخور بيا.
سكت.
ثم قال:
— لو ده مش هيأثر على البيت والولد… اعملي اللي إنتِ عايزاه.
وهكذا بدأت.
لم يكن طريقًا سهلًا.
كانت تدرس وآدم نائم.
تنام ساعتين.
تصحو على بكائه.
تحضر محاضراتها ثم تعود لتطبخ وتغسل وتنفذ ما يريده مراد حتى لا يتهمها أن الدراسة أفسدتها.
وفي كل مرة تشعر فيها أنها لن تستطيع، كانت تتذكر ذلك اليوم عند الغيط.
وتتذكر شاهين.
لكنها كانت تدفع صورته بعيدًا.
لأن شاهين كان ينتمي إلى حياة ماتت.
هكذا أقنعت نفسها.
مرت خمسة عشر عامًا.
وحين نظرت أزل إلى نفسها في المرآة وهي ترتدي المعطف الأبيض لأول مرة وقد صار اسمها مسبوقًا بلقب “دكتورة”، لم ترَ الفتاة التي جُرت من شعرها.
رأت امرأة صنعت لنفسها بابًا بعدما أغلقت كل الأبواب في وجهها.
تخصصت.
نجحت.
صار لها اسم.
وصار آدم شابًا ذكيًا هادئًا هو أجمل ما خرجت به من زواجها.
أما علاقتها بمراد، فلم تتحسن.
لكنها تغيرت.
لم تعد تخافه كما كانت.
صار يعرف أن المرأة التي أمامه لم تعد تلك الطفلة.
وفي إحدى الليالي، قال لها:
— إنتِ اتغيرتي.
كانت تقرأ ملفًا طبيًا.
قالت:
— طبيعي.
— بقيتي شايفة نفسك.
رفعت عينيها.
— أنا بس بقيت شايفة نفسي أصلًا.
لم يفهم.
أو فهم ولم يعجبه.
وفي صباح لم يكن مختلفًا عن غيره، كانت أزل داخل المستشفى حين رن هاتفها.
رقم لا تعرفه.
ردت:
— ألو؟
جاءها صوت رجل متوتر.
— مدام أزل؟
— أيوه.
— أنا سامح… صاحب أستاذ مراد.
توقفت يدها فوق الملف.
— خير؟
صمت الرجل.
ثم قال:
— البقاء لله.
لم تفهم.
— في مين؟
سكت.
فقالت بحدة:
— في مين؟!
— مراد… توفاه الله من شوية.
بقي الهاتف على أذنها.
لم تسمع بعدها شيئًا.
الأصوات حولها ابتعدت.
الممر الطويل أمامها صار ضبابيًا.
جلست على أقرب كرسي.
انتظرت الدموع.
لم تأتِ.
وضعت يدها على صدرها.
كانت تتوقع حزنًا.
انهيارًا.
أي شيء.
لكن الذي جاء…
كان صمتًا.
ثم إحساس خافت، مرعب، كأن بابًا ثقيلاً فُتح بعد سنوات.
الحرية.
خافت من الكلمة نفسها.
فأغمضت عينيها.
بعد أسابيع، كانت الطائرة تهبط في القاهرة.
آدم بجانبها.
وهي تنظر من النافذة.
خمسة عشر عامًا مرت منذ غادرت قريتها عروسًا صغيرة.
الآن تعود أرملة.
طبيبة.
وأمًا لولد في الرابعة عشرة.
قال آدم:
— ماما؟
— نعم؟
— إنتِ كويسة؟
ابتسمت.
— كويسة.
— متأكدة؟
نظرت إليه.
ثم قالت:
— مش عارفة.
وضعت يدها فوق يده.
كانت عائدة إلى المكان الذي بدأ فيه كل شيء.
إلى أمها.
إلى البيت القديم.
إلى الغيط.
إلى الذكريات التي دفنتها.
لكنها لم تكن تعرف أن شاهين…
كان قد عاد هو الآخر.
وأن الرجل الذي تركته في آخر الطريق منذ خمسة عشر عامًا…
لم ينسَ.
ولم يسامح.
والأسوأ من ذلك كله…
أنه ما زال يحبها.
يتبع في الفصل الثاني: اللقاء الأول بين أزل وشاهين بعد خمسة عشر عامًا.
لم يكن الرجوع إلى القرية عودةً إلى مكان.
كان عودةً إلى نسخة قديمة من نفسها حاولت أزل لسنوات أن تقنع روحها بأنها ماتت.
منذ أن وطئت قدماها أرض البيت القديم، شعرت بأن الجدران تحفظ أصواتًا لم تعد تريد سماعها، وأن الممرات الضيقة ما زالت تعرف وقع أقدام البنت التي كانت تركض إلى غرفتها لتبكي في صمت حتى لا يسمعها أحد.
حتى رائحة البيت بدت لها كما هي.
رائحة الخشب العتيق، والقهوة الثقيلة، والبخور الذي كانت أمها تشعله كل مساء، كأن السنوات الخمس عشرة التي مرت لم تستطع أن تغيّر شيئًا هنا.
إلا أزل.
أزل فقط لم تعد كما كانت.
دخلت وهي ترفع حقيبتها بيد، بينما كان آدم خلفها يحمل حقيبة أخرى وينظر حوله بفضول.
كانت أمها واقفة في منتصف الصالة.
كبرت كثيرًا.
انحنى ظهرها قليلًا، وامتلأ وجهها بالتجاعيد، لكن عينيها ظلتا كما هما؛ حادتين، فاحصتين، كأنهما تبحثان دائمًا عن الخطأ قبل أن تبحثا عن أي شيء آخر.
ما إن رأت آدم حتى فتحت ذراعيها.
— تعالى يا حبيبي… تعالى لحضن ستك.
تقدم آدم بأدب، فاحتضنته وقبلت وجهه مرارًا.
— ما شاء الله… طولت وبقيت راجل.
ابتسم.
— الله يخليكي.
ثم رفعت أم أزل عينيها إلى ابنتها.
تأملتها من أعلى إلى أسفل.
المعطف الخفيف فوق ملابس السفر، حقيبة يدها، شعرها المربوط بعناية، الوقفة المستقيمة التي لم تعد تعرف الانكسار.
قالت:
— وشك خاسس.
أجابت أزل بهدوء:
— السفر بيتعب.
— ومراد الله يرحمه… سابلك أملاك كويسة؟
توقفت أزل لحظة.
كانت تعرف أمها.
وتعرف أن الأسئلة عندها لا تأتي بريئة.
قالت:
— ساب اللي سابه.
جلست الأم وقالت وهي تحرك يدها بفخر:
— أهو شوفي… أنا من زمان كنت عارفة مصلحتك. جوزتك راجل مقتدر، عيشك بره، علّمك، وخلفتي منه ولد زي القمر…
رفعت أزل عينيها إليها ببطء.
لم تعد الكلمات تطعنها كما كانت.
لكن بعضها ما زال يعرف مكان الجرح.
قالت:
— هو اللي علّمني؟
استغربت الأم.
— أمال مين؟
ابتسمت أزل ابتسامة صغيرة لم يكن فيها دفء.
— أنا.
— يا بنتي قصدي إنه صرف.
— وأنا دفعت.
صمتت الأم.
قالت أزل:
— دفعت أكتر بكتير من الفلوس.
ضاقت عينا أمها.
— إنتِ جاية تفتحي القديم؟
— القديم عمره ما اتقفل.
— مراد مات. ربنا يرحمه. والمفروض ما نتكلمش على الميت غير بالخير.
تنفست أزل ببطء.
— أنا مش هشتمه.
ثم أضافت:
— بس مش هكدب علشان مات.
تدخل آدم بحساسية واضحة.
— ماما، تحبي أطلع الشنط فوق؟
نظرت إليه أزل وفهمت أنه يحاول إنهاء التوتر.
قالت:
— آه يا حبيبي. أوضتي القديمة على اليمين.
ذهب آدم.
وما إن اختفى على السلم حتى قالت أمها بصوت منخفض:
— خلي بالك من كلامك قدام الولد.
— ليه؟
— ده أبوه.
— وأنا عمرى ما شوّهت صورة أبوه قدامه.
— يبقى متبدأيش دلوقتي.
ضحكت أزل بمرارة.
— طول عمري بتحاسبيني أنا على إن الحقيقة مؤذية… عمرك ما حاسبتي اللي عمل الحقيقة نفسها.
ارتفع صوت أمها:
— أنا عملت اللي كل أم كانت هتعمله وقتها!
— لأ.
— أزل!
— لأ يا أمي.








