Uncategorized

ما ان دخلت البيت حتي سمعت صوتا

ما إن دخلت البيت حتى سمعت صوتًا صادرًا من المطبخ جعلني أتوقف في مكاني قبل أن أخلع معطفي. كانت سارة تبكي. لم يكن بكاؤها مرتفعًا، بل كان خافتًا إلى درجة أنني ظننته في البداية صوت ماء يتساقط من صنبور. خلعت حذائي بسرعة، وتركت حقيبتي بجوار الباب، ثم اتجهت ناحية الصوت.

 

مقالات ذات صلة

كلما اقتربت، أصبح الأمر أوضح.

وهناك رأيت ابنتي واقفة أمام حوض المطبخ، ويداها مغمورتان في ماء غسيل الأطباق المتسخ.

كانت ترتدي كنزة منزلية خفيفة، وشعرها مغطى بغطاء رأس قطني، وكانت ترتجف من البرد.

أما نافذة المطبخ فكانت مفتوحة رغم أن الجو في الخارج كان باردًا والهواء المحمّل بالمطر يتسلل إلى الداخل.

وعلى بُعد خطوات منها، كان زوجها كريم جالسًا إلى مائدة الطعام مع والدته نوال، يتناولان الدجاج المشوي في راحة تامة.

وكانت مدفأة صغيرة موضوعة بجوار المائدة، وموجهة نحوهما فقط.

رفع كريم طبقه الفارغ وقال لسارة:

«توقفي عن غسل الأطباق وأحضري لي المزيد من الطعام.»

لم تتحرك سارة فورًا.

فنهض كريم غاضبًا، واتجه نحوها، ثم أمسكها من كتفها ودفعها بقوة باتجاه الحوض.

ارتطمت يدها بحافة الحوض.

وفي الجهة الأخرى، أخذت نوال قطعة أخرى من الطعام وكأن شيئًا لم يحدث.

ثم ابتسمت.

تجمدت في مكاني لثانية.

لم أصدق ما رأته عيناي.

لكن بعد عشرين عامًا قضيتها في العمل في المحاكم، تعلّمت ألا أترك الصدمة تشلّني عندما يتعلق الأمر بشيء خطير.

أخرجت هاتفي من حقيبتي.

وشغلت التسجيل.

ثم دخلت المطبخ وقلت:

«ارفع يدك عن ابنتي.»

ترك كريم سارة فورًا والتفت إليّ.

تغير وجهه للحظة، ثم عاد إلى هدوئه المصطنع.

وقال:

«يا نادية… ألم تتعلمي أن تتصلي قبل أن تدخلي بيت ابنتك؟»

نظرت إلى سارة.

كانت عيناها متورمتين من البكاء.

وعلى معصمها علامة أرجوانية واضحة.

اقتربت منها وقلت:

«ماذا حدث لكِ؟»

لكنها لم تجب.

كانت تنظر إلى كريم وكأنها تخشى أن تتكلم.

ثم قالت بصوت مرتجف:

«أمي… أرجوكِ لا ترحلي.»

كانت تلك الجملة وحدها كافية لأفهم أن ما رأيته لم يكن موقفًا عابرًا.

مسحت نوال فمها بمنديل وقالت ببرود:

«لا تكبّري الموضوع يا نادية. سارة أصبحت عصبية جدًا في الفترة الأخيرة. ونحن نحاول فقط أن نساعدها على أن تكون زوجة أفضل.»

نظرت إليها.

ثم إلى ابنتي.

ثم إلى الطعام الموضوع أمامهما.

وقلت:

«زوجة أفضل؟»

لم تجب.

اتجهت إلى النافذة وأغلقتها، ثم عدت إلى سارة وقلت:

«ارتدي معطفك.»

تحرك كريم فورًا ووقف في مدخل الممر.

وقال:

«هي لن تذهب إلى أي مكان.»

نظرت إليه وقلت:

«هذا ليس قرارك.»

ابتسم بسخرية.

وقال:

«بل هو قراري ما دامت زوجتي.»

ثم أضاف:

«سارة ليس لديها مال، ولا تعمل، وليس لديها مكان آخر تذهب إليه. ولن تأخذ من هذا البيت شيئًا.»

ثم نظر إليّ وقال:

«وأنتِ إذا تدخلتِ أكثر، فسأتصل بالشرطة وأقول إنك دخلتِ المنزل من دون إذن.»

كدت أضحك.

لم يكن يعرف أنه يقف في منزل ابنته.

المنزل الذي اشترته سارة قبل زواجها منه بثلاثة أشهر، من المال الذي ورثته عن والدها.

كان عقد الملكية مسجلًا باسمها وحدها.

أما كريم، فلم يدفع جنيهًا واحدًا في ثمنه.

كنت أنا التي تابعت معها إجراءات شراء المنزل وتسجيله، بحكم عملي الطويل وخبرتي في التعامل مع المستندات والمحاكم.

ولهذا كنت أعرف جيدًا أن كلام كريم لا يخيفني.

لكنني لم أخبره بذلك.

ليس الآن.

ساعدت سارة على ارتداء معطفها وحذائها.

وخلال ذلك، ظل كريم يهددها بالطلاق.

أما نوال فكانت تسير خلفنا وهي تعدّد عيوب ابنتي وكأنها تقرأ قائمة اتهامات.

لا تجيد إدارة المنزل.

تنفق المال.

لا تعرف كيف تعامل زوجها.

كسولة.

جاحدة.

ولا تقدر النعمة التي تعيش فيها.

وعندما وصلنا إلى باب المنزل، أمسكت سارة بذراعي.

وقالت بصوت خافت:

«أمي…»

نظرت إليها.

فهمست:

«هو أخذ هاتفي.»

سألتها:

«ماذا فعل أيضًا؟»

قالت:

«غيّر كلمات المرور الخاصة بحساباتي البنكية.»

ثم أضافت بعد تردد:

«وأخفى مفاتيح سيارتي.»

نظرت إلى كريم.

وقلت:

«أنت لم تعد تتعامل مع مشكلة بين زوجين. أنت تحاول السيطرة على حياة ابنتي بالكامل.»

اختفت ابتسامته.

لكنني لم أكن قد عرفت بعد أخطر شيء حدث تلك الليلة.

فبينما كنت أساعد سارة على الخروج، كان هاتفي لا يزال فوق مائدة الطعام، ويسجل كل شيء.

وسجّل صوت نوال وهي تقول بهدوء:

«لا تقلق يا كريم. يوم الجمعة سيكون البيت أخيرًا لنا.»

توقفت خطواتي للحظة.

لم ألتفت.

ولم يعرف أيٌّ منهما أنني سمعت الجملة.

لكنني في تلك اللحظة أدركت أن ما يحدث لم يكن مجرد خلاف زوجي.

كان هناك شيء يخططان له.

وشيء أكبر بكثير مما رأيته بعيني

نامت سارة قرابة أربع عشرة ساعة بعد أن أخذتها إلى منزلي.

وعندما استيقظت، كانت أول كلمة قالتها:

«أنا آسفة يا أمي.»

جلست إلى جوارها.

وقلت:

«على ماذا؟»

قالت:

«لقد سببت لكِ كل هذه المشكلات.»

أمسكت يدها وقلت:

«طلبك للمساعدة ليس مشكلة يا سارة. المشكلة أنك تحملتِ كل هذا وحدك.»

خفضت عينيها.

ثم بدأت تحكي.

شيئًا فشيئًا.

خلال الأشهر الستة الأخيرة، تغير كريم تمامًا.

في البداية، كان الأمر يبدو كغيرة عادية.

ثم أقنعها بأن تترك عملها في المحاسبة، وقال لها إنهما لا يحتاجان إلى دخلها، وإن الأفضل أن تتفرغ للمنزل وللحياة الزوجية.

وافقت سارة لأنها كانت تثق به.

وبعدها بأشهر قليلة، جاءت والدته نوال إلى المنزل بحجة أنها ستقيم معهما لفترة قصيرة، حتى تنتهي بعض أعمال الإصلاح في شقتها.

لكن الفترة القصيرة أصبحت أشهرًا.

ومنذ ذلك الوقت، بدأت الأمور تتغير بسرعة.

صار كريم يسأل سارة عن كل مبلغ تنفقه.

ويطلب منها الاحتفاظ بإيصالات مشترياتها.

ويراجع هاتفها.

ويراقب مكالماتها.

ويغضب إذا تحدثت مع صديقاتها طويلًا.

وكانت نوال تتدخل في كل شيء.

من الطعام.

إلى الملابس.

إلى طريقة ترتيب المنزل.

حتى درجة حرارة الغرف كانت تتحول إلى مشكلة يومية.

وفي البداية، كانت سارة تحاول إقناع نفسها بأن الأمر مجرد ضغط مؤقت.

ثم بدأ كريم يدفعها أثناء الشجارات.

مرة دفعها في كتفها.

ومرة أمسك ذراعها بعنف.

وفي المرة الأخيرة، ترك العلامة التي رأيتها على معصمها.

سألتها:

«ولماذا لم تخبريني؟»

بدأت تبكي.

وقالت:

«لأنني كنت خائفة.»

ثم أضافت:

«كان يقول لي إنك ستغضبين مني، وإنك ستلومينني لأنني تركت عملي وتزوجت.»

سكتت قليلًا.

ثم قالت:

«وكان كلما حاولت أن أهدده بأنني سأخبركِ، يقول لي إنك لن تستطيعي فعل شيء، وإن الناس سيصدقونه لأنه رجل معروف في عمله، وأنا مجرد امرأة تركت وظيفتها وتعيش في البيت.»

فهمت عندها لماذا ظلت صامتة كل هذه الفترة.

لم تكن سارة لا تعرف أن ما يحدث خطأ.

كانت تخاف مما سيحدث إذا حاولت المقاومة.

قلت لها:

«انتهى هذا الآن.»

ثم أخرجت هاتفي.

وحفظت التسجيل في أكثر من مكان.

وبعد ذلك اتصلت بمحامية أعرفها منذ سنوات، اسمها مريم، وكانت متخصصة في قضايا الأسرة.

أخبرتها بما حدث.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى