
نزلت السلم وأنا بحس إن كل خطوة بتبعدني عن البيت ده بتشيل جبل كان محطوط على صدري. أول ما فتحت باب العمارة وخرجت للشارع، التفت وررايا بصيت للشباك لآخر مرة، ومشيت في طريقي وأنا عارفة إن الصفحة دي انطوت للأبد، وإن أميرة اللي كانت بتسكت وتتحمل ما.تت خلاص، واللعبة من النهاردة هي اللي هتتغير.
وصلت بيت أهلي والشمس كانت لسه بتبدأ تشرق، أول ما أمي فتحتلي الباب وشافت الشنطة في إيدي والوش الباهت، حض.نتني من غير ما تسأل كلمة واحدة، كأن قلبها كان حاسس باللي بعيشه طوال السنين اللي فاتت.
دخلت أوضتي القديمة، حطيت الشنطة ونمت على السرير، ولأول مرة من سنين أنام ساعتين ورا بعض من غير ما أصحى على صريخ عيل مش ابن أو زعيق سعد وأوامره.
على الناحية التانية، مرام ما لحقتش تفرح بانتصارها كتير.
من ثاني يوم الصبح، البيت انقلب عليها فوق تحت. الولد الكبير بيعيط عايز أكل، والصغير عايز يتغيرله، وهي بحملها التالت ومش قادرة تتحرك ولا تشيل جسمها. كانت فاكرة إن سعد هيجيب لها خدامة أو إنه هيشيل معاها، بس سعد متعود على راحة البال، متعود يرجع يلاقي الأكل متسبك والغسيل متطبق والبيت زي القشطة من غير ما يرفع صابع.
-
كل يوممنذ يومين
-
باسورد الخزنةمنذ يومين
-
كيفية بناء العضلات للمبتدئينمايو 24, 2026
أول ما رجع من شغله المغرب، لقى البيت كركبة، والولاد بيبكوا، ومرام قاعدة على الكنبة بتنهد ومش عاملا له لقمة يأكلها. بدل ما يطبطب عليها، صوته طلع وهز الشقة:
— “أنا راجع من شغلي قرفان وتعبان، فين الغدا؟! والولاد دول سايباهم يعيطوا ليه كده؟!”
مرام بصتله بصدمة ومطت شفايفها بمسكنة:
— “سعد.. أنت مش شايف أنا تعبانة إزاي ورجلي متورمة؟ أنا حبلة في التالت ومش قادرة أقف على رجلي، شيل معايا الولاد ونزل جيب لنا أكل من الشارع!”
سعد اتنفض في وشها وزعق بغشم:
— “أكل من الشارع إيه ورجل إيه؟!
أنا متعود أرجع ألاقي بيتي متروق وأكلي جاهز! هو أنا جايبك هنا عشان تقعدي تدلعي وأنا اللي أخدم في البيت؟! قومي شوفيلك حل في القرف ده!”
مرام وقفت متسمرة، واستوعبت في اللحظة دي الكلمة اللي قولتهالها وأنا طالعة من الباب: إن اللي بيبيع الأولى عشان المصلحة، بيبيع التانية أول ما المصلحة تخلص.
أما أنا، فبعد أسبوع واحد بس من الراحة، قمت وقفت على حيلى، رفعت قضايا المؤخر والمتعة وكل حقوقي الشرعية للقضاء، وبدأت أفتكر إن عندي حياة وكرامة ومستقبل لازم أبنيهم من جديد، بعيد عن سعد ومرام والجحيم اللي سيبته ورايا.
مرت ست أشهر على اليوم اللي خرجت فيه من البيت ده بشنطة هدومي.
خلال الست أشهر دول، الدنيا اتغيرت تماماً.. أنا رجعت كملت تعليمي واشتركت في دورات تدريبية وبدأت أشتغل في مشروع صغير من البيت، القضايا اللي رفعتها مشيت في مجراها، والمحكمة حكمتلي ببعض حقوقي الشرعية اللي سعد حاول يماطل في دفعها بكل الطرق، بس للقانون كلمة ثانية.
رجعت البسمة لوشي، وصحتي ردت فيا، وعرفت قيمة نفسي بعد ما كنت فاكرة إن الحياة وقفت عند باب شقته.
أما في بيت سعد، فالمشهد كان بيزداد ظلام.
مرام ولدت العيل التالت، وبقت عايشة في الساقية اللي كنت طالعة منها، بس من غير الصبر ولا القوة اللي كانت عندي. البيت بقى عبارة عن خناق يومي، الصريخ ما بيبطلش، والولاد التلاتة محتاجين مصاريف وخدمة فوق طاقتها. سعد، اللي كان فاكر إن الجواز الثاني هيريحه ويجيبله النسل والراحة، بقى يرجع من شغله يقعد على القهوة بالساعات عشان يهرب من دوشة البيت والعيال ومطالبات مرام اللي ما بتخلصش.
في يوم، وبعيد عن كل ترتيب، كنت نازلة أشتري طلبات من السوق قريب من منطقتهم القديمة، ولقيت سعد وشاً لوش قدامي.
كان شكله مجهد، الدقن طالعة وهدومه مش مكوية زي زمان، وعينيه فيها كمية إرهاق وقهر مش طبيعية. أول ما شافني، اتسمر مكانه وبصلي بذهول.. شاف قدامه أميرة ثانية خالص، ست واثقة من نفسها، لابسة ونظيفة ووشها منور ومبتسمة.
قرب مني بخطوات بطيئة، ونطق بصوت واطي ومكسور عكس القسوة اللي كانت فيه زمان:
— “أميرة؟.. إزيك؟”
رديت عليه ببرود وثبات، وأنا حاطة إيدي في شنطتي وبصالي بثبات:
— “الحمد لله يا سعد.. بخير، وفي أحسن حال.”
بص للأرض ورجع بصلي بنبرة كلها ندامة ورجاء:
— “أنا أكلتني الحسرة يا أميرة..
البيت من بعدك بقى خراب، مرام ما بتعملش حاجة غير إنها بتطلب وتصرخ، والعيال مبهدلين والشقة بقت زريبة.. أنا عرفت قدرك وقيمتك متأخر أوي، وحقك عليّ.. لو ترجعي، قسمًا بالله لأكتب لك الشقة باسمك وأحطك فوق راسي ومرام دي مش هخليها تفتح بقها بكلمة.”
ابتسمت ابتسامة هادية، ابتسامة حد اتعافى تماماً من الوجع، وقربت منه خطوة واحدة وقلتله بصوت حاسم ينهي كل حاجة:
— “تكتب الشقة باسمي؟ الشقة دي والبيت ده كله ما يسواش عندي نقطة دموع واحدة نزلت مني وأنا بغسل الأكل أو بنضف تحت رجليكم..
أنت ما عرفتش قيمتي يا سعد، أنت بس تعبت من الخدمة والمصاريف ولقتني كنت الخدامة والطباخه ببلاش اللي شايلة عنك كل حاجة. المية اللي اندلقت النهار ده كانت خط فاصل بين عمري القديم وعمري الجديد.. اشبع بانتصارك وبمرام وعيالك، وأنا شبعت بحريتي وكرامتي.”
لفيت ضهري ومشيت بخطوات ثابته من غير ما التفت ورايا ولا مرة، وسبته واقف في وسط الشارع مكسور، عاجز إنه يرجع الزمن، وعارف إن الجرح اللي سابه في قلبي ما بقاش يوجعني.. بل بقى السلم اللي طلعت بيه لحياتي الجديدة
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




