قصص و روايات

ابني كان بيقص نجيلة جارنا

ابني المراهق كان بيقص نجيلة جارنا الوحيد ببلاش كل يوم سبت لمدة 4 سنين – وفي جنازة الراجل العجوز، محامي سلّمه ظرف وقال له: **”هو سايبلك تعليمات محددة جدًا.”** تربية ابني **يوسف** لوحدي عمرها ما كانت سهلة. أبوه سابني قبل ما يوسف يتولد، وخلاني أواجه مسؤولية تربيته لوحدي. لكن رغم كل الظروف، يوسف كان دايمًا من النوع اللي بيحب يساعد الناس من غير ما يستنى مقابل.

 

مقالات ذات صلة

وده بالظبط اللي خلّاه ياخد باله من **عم محمود**.

عم محمود كان راجل هادي ووحيد، عايش في البيت اللي قصادنا في **شبرا**. بعد ما مراته توفت، بقى نادر جدًا لما يتكلم مع حد، ومعظم وقته كان بيقضيه قاعد لوحده على كرسي قدام البيت. أغلب أهل المنطقة كانوا بيتجنبوه ومحدش كان بيسأل عليه.

لكن لما يوسف كان عنده 14 سنة، لاحظ إن عم محمود بقى بيواجه صعوبة حتى في المشي من باب بيته لحد أول الشارع.

تاني يوم الصبح، يوسف خد ماكينة النجيلة بتاعتنا وراح بيها للبيت اللي قصادنا، وبدأ يقص النجيلة اللي كانت طالعة وطويلة جدًا.

هو ما طلبش إذن، وما طلبش فلوس.

ومن يومها، **كل يوم سبت لمدة أربع سنين كاملة، يوسف كان بيقص نجيلة عم محمود.**

في عز حر الصيف، وفي برد الخريف الصبح، كان دايمًا بيطلع الماكينة ويعمل نفس الحاجة.

عم محمود مكنش بيتكلم كتير. كان بس يقعد على كرسيه الخشب القديم قدام البيت، ويتفرج على يوسف وهو شغال، وساعات لما يوسف يخلص كان يكتفي بهزة صغيرة من راسه، كأنه بيقوله: “شكرًا.”

من أسبوعين، عم محمود توفى.

ولما عرفنا بموعد الجنازة، يوسف أصر إننا نروح. كانت الجنازة في مسجد كبير في **شبرا**، والجو كان حزين جدًا.

ابنه وبنته كانوا قاعدين في الصفوف الأولى، ودموعهم نازلة، وكان واضح قد إيه كانوا مكسورين من فقدان أبوهم.

يوسف مكانش رايح عشان ياخد أي حاجة.

هو بس كان عايز يودّع الراجل اللي ساعده بطريقته، ويحضر الجنازة احترامًا ليه.

دخل بهدوء وقعد في آخر صف تقريبًا جنب الباب، وحاول ما يلفتش الانتباه، عشان يسيب عيلة عم محمود تاخد راحتها في حزنها.

لكن أول ما الصلاة والجنازة خلصوا، حصل شيء محدش كان متوقعه.

محامي عم محمود، اللي كان واقف بيتكلم مع أولاده في المقدمة، عدى من وسط الناس واتجه مباشرة ناحية يوسف.

وقف قدام ابني، وبص له لثواني.

وبعدين مد إيده وناول يوسف **ظرف سميك ومقفول**.

يوسف بص للظرف باستغراب، وبعدها بص للمحامي.

المحامي قرب منه وقال بصوت هادي:

**”عم محمود سايبلك تعليمات محددة جدًا يا يوسف.”**

الفصل الأول: الظرف اللي قلب كل حاجة
يوسف فضل واقف مكانه، ماسك الظرف بين إيديه، وباصص للمحامي كأنه مستني منه تفسير.
أنا قربت منه وقلت باستغراب:
— تعليمات إيه؟ عم محمود سايب ليوسف إيه؟
المحامي بصلي، وبعدها بص ليوسف.
— الأفضل إن يوسف هو اللي يفتح الظرف.
يوسف بلع ريقه وقال:
— بس أنا… أنا مكنتش قريب له.
المحامي رد بهدوء:
— هو كان شايف الموضوع بشكل مختلف.
الكلمة دي خلتني أبص ناحية أولاد عم محمود.
ابنه كان واقف بعيد، لكن أول ما شاف الظرف في إيد يوسف، ملامحه اتغيرت.
أما بنته، ففضلت باصة لنا بنظرة طويلة.
يوسف فتح الظرف بحذر.
طلع منه ورقتين، ومفتاح قديم مربوط بخيط صغير، وجواب مكتوب بخط إيد مرتعش.
أول ما شفت المفتاح، حسيت بقلبي انقبض.
يوسف فتح الجواب وبدأ يقرأ بصوت منخفض:
— “يا يوسف… لو الورقة دي وصلتلك، يبقى أنا مشيت.”
سكت.
عينيه اتمَلوا دموع.
حطيت إيدي على كتفه.
— كمّل يا حبيبي.
أخد نفس وقرأ:
— “أربع سنين، كل يوم سبت، كنت بسمع صوت ماكينة النجيلة قبل ما أشوفك. عمرك ما سألتني هدفعلك كام، وعمرك ما استنيت مني شكر. لكن اللي إنت متعرفوش إنك مكنتش بتيجي تقص النجيلة بس…”
يوسف رفع عينه عن الورقة.
المحامي قال:
— كمّل.
رجع يوسف للجواب.
— “كنت بتيجي في اليوم الوحيد من الأسبوع اللي كنت بستناه.”
هنا صوت يوسف اتكسر.
وأنا حسيت دموعي بتنزل غصب عني.
لكن السطر اللي بعده كان أغرب.
— “المفتاح اللي في الظرف مش مفتاح بيتي. روح مع المحامي للمكان المكتوب في الورقة التانية. متفتحش الباب لوحدك، ومتقولش لحد من عيلتي على المكان قبل ما تشوف اللي جواه.”
قبل ما يوسف يكمل، سمعنا صوت عالي من ورانا:
— مكان إيه؟!
لفينا.
كان ابن عم محمود واقف قدامنا.
بص للمفتاح.
وبعدين بص للمحامي.
وقال بعصبية:
— أبويا سايب للواد ده إيه؟
المحامي اتحرك خطوة ووقف بينه وبين يوسف.
— دي وصية خاصة.
ضحك بسخرية.
— خاصة؟! أنا ابنه!
يوسف بسرعة مد الظرف للمحامي.
— خد حضرتك… أنا مش عايز مشاكل.
لكن المحامي رفض ياخده.
وقال جملة خلت الكل يسكت:
— لو رفضت تنفذ تعليماته يا يوسف، الحاجة اللي عم محمود حماها لمدة سبعتاشر سنة ممكن تقع في إيد الشخص الغلط.
الفصل الثاني: سر يوم السبت
خرجنا من المكان وأنا ماسكة إيد يوسف.
رغم إنه بقى شاب، في اللحظة دي حسيت إنه رجع طفل صغير.
ركبنا العربية مع المحامي.
قلتله:
— ممكن أفهم إحنا رايحين فين؟
قال:
— مخزن صغير كان عم محمود مأجره من سنين.
يوسف سأله:
— وإيه اللي فيه؟
— معرفش بالتحديد. عندي تعليمات إني أوصلكم، وأكون موجود وقت فتحه.
بعد حوالي نص ساعة، وقفنا قدام مبنى قديم.
طلعنا للدور التاني.
وقف المحامي قدام باب حديد.
يوسف طلع المفتاح.
إيده كانت بتترعش.
قلتله:
— لو مش مرتاح، نمشي.
بصلي وقال:
— أربع سنين وأنا كنت بروحله كل سبت يا ماما. لو آخر حاجة طلبها مني إني أفتح الباب ده… هفتحه.
دخل المفتاح.
لفه.
الباب اتفتح.
كنت متوقعة فلوس.
دهب.
أوراق ملكية.
أي حاجة.
لكن اللي شوفناه كان أغرب بكتير.
الأوضة كانت مليانة لوحات.
عشرات اللوحات.
شوارع قديمة.
بيوت.
وجوه ناس.
وأطفال بيلعبوا.
وفي آخر الحيطة كانت فيه لوحة كبيرة متغطية بقماش أبيض.
يوسف قرب منها.
وشال القماش.
اتجمد.
كانت لوحة ليه.
يوسف واقف بيقص النجيلة.
وعم محمود قاعد على كرسيه بيتفرج عليه.
لكن في ركن اللوحة كان مكتوب:
“الابن الذي اختار أن يأتي.”
يوسف همس:
— هو كان بيرسم؟
المحامي هز راسه.
— زمان كان فنان معروف، لكنه اعتزل بعد وفاة زوجته.
بدأنا نبص في المكان.
فوق مكتب صغير كان فيه دفتر.
فتحته.
كل صفحة تقريبًا عليها تاريخ يوم سبت.
“يوسف جه النهارده.”
“الولد عنده امتحانات، لكنه جه.”
“قلتله الجو حر، قالي هخلص بسرعة.”
“وقع مني الدوا، رجعهولي من غير ما يحرجني.”
“النهارده سألني ليه ولادي مش بيزوروني… مقدرتش أرد.”
وقفت عند الجملة الأخيرة.
بصيت للمحامي.
— ولاده مكنوش بيزوروه؟
سكت لحظة.
وبعدين قال:
— الحقيقة أعقد من كده.
وفجأة…
خبط عنيف جه على الباب.
ثم صوت ابنه:
— افتح الباب! عارف إنكم جوه!
الفصل الثالث: أول حقيقة
المحامي فتح الباب، لكنه وقف قدامه ومنعه يدخل.
— مين قالك على المكان؟
رد بعصبية:
— مش مهم. أنا عايز أعرف أبويا مخبي إيه.
يوسف وقف بعيد عن اللوحات.
وقال:
— والله أنا مش عايز حاجة من والدك.
بصله الرجل بحدة.
— أمال كنت بتروحله كل أسبوع ليه؟
يوسف اتصدم.
— عشان كان راجل كبير ومحتاج حد يساعده.
ضحك بسخرية:
— أربع سنين ببلاش؟ عايزني أصدق؟
هنا أنا مقدرتش أسكت.
— ابني كان عنده أربعة عشر سنة لما بدأ يساعده. طفل عنده أربعة عشر سنة كان هيخطط ياخد ورث راجل كبير بعد أربع سنين؟!
سكت.
المحامي رجع للمكتب وطلع ملف.
— والدك كان متوقع إن ده يحصل.
فتح الملف.
وقال:
— علشان كده سجل إفادة بالصوت والصورة قبل وفاته بشهرين.
اتغير وش ابنه.
— إفادة إيه؟
المحامي شغّل جهاز صغير.
ظهر عم محمود على الشاشة.
كان أضعف بكتير من آخر مرة شوفناه.
قال بصوت متعب:
— “لو ابني أو بنتي بيشوفوا التسجيل ده، فأنا عايزهم يعرفوا إن يوسف مطلبش مني جنيه واحد طول عمره.”
سكت شوية.
وبعدين كمل:
— “ومش يوسف اللي أبعدني عنكم.”
ابنه بص للشاشة.
عم محمود قال:
— “إنتوا اللي بعدتوا لما رفضت أبيع البيت وأديكم الفلوس.”
الرجل نزل عينه.
لكن المفاجأة لسه مجتش.
عم محمود كمل:
— “أنا سامحتكم. لكن المسامحة مش معناها إني أسيبكم تكرروا نفس الغلط بعد موتي.”
ثم بص للكاميرا وقال:
— “أما يوسف… فأنا سايبله حاجة مختلفة.”
يوسف قرب من الشاشة.
عم محمود ابتسم.
— “مش هسيبلك بيتي يا ابني.”
يوسف أخد نفس كأنه ارتاح.
لكن الراجل العجوز أكمل:
— “أنا سايبلك كل لوحاتي.”
المحامي بص ليوسف.
— وفيه مشكلة صغيرة.
— مشكلة إيه؟
فتح ملف تاني.
— آخر تقييم رسمي للمجموعة دي كان من سبع سنين.
سألته:
— قيمتها كام؟
قال رقم خلاني أفتكر إني سمعته غلط.
أكتر من اتنين مليون.
يوسف رجع خطوة.
— مليون إيه؟! أنا مش عايزهم!
لكن المحامي قال:
— استنى… دي مش نهاية الوصية.
الفصل الرابع: الشرط الأخير
جلس يوسف على الكرسي القديم الموجود أمام المكتب.
كان مصدوم.
قال:
— أنا كنت بقصله النجيلة بس.
رد المحامي:
— بالنسبة لك “بس”. بالنسبة له الموضوع كان أكبر.
طلع ورقة من الملف.
— عم محمود كان عنده شرط.
يوسف بصله بقلق.
— شرط إيه؟
— ممنوع تبيع المجموعة كاملة قبل ما تتم واحد وعشرين سنة.
— ليه؟
— لأنه مش عايز الفلوس تغيرك.
سكت يوسف.
المحامي كمل:
— لكنه سمح ببيع لوحة واحدة فقط دلوقتي.
وأشار ناحية اللوحة الكبيرة اللي فيها يوسف.
— دي.
يوسف وقف بسرعة.
— مستحيل.
— ليه؟
— دي آخر حاجة رسمها عني. مش هبيعها.
ابتسم المحامي لأول مرة.
فتح ظرف صغير كان جوه الملف.
— بالظبط.
يوسف استغرب.
— إيه؟
— عم محمود كتب إن لو أول رد ليك كان إنك ترفض بيع اللوحة دي، أديك الظرف ده.
ناول يوسف الورقة.
فتحها.
قرأها.
وبعد ثواني، بدأ يعيط.
أخدت الورقة منه.
كان مكتوب:
“كنت محتاج أعرف إن الأربع سنين مكنتش تمثيل.
لو رفضت تبيع اللوحة، يبقى أنا كنت صح فيك.
فيه حاجة أخيرة مستنيالك في بيتي.
دور تحت الكرسي اللي كنت بقعد عليه كل يوم سبت.”
الفصل الخامس: تحت الكرسي
تاني يوم، رحنا بيت عم محمود.
أولاده كانوا هناك.
لكن المرة دي محدش اتخانق.
يمكن التسجيل خلّاهم يواجهوا حاجات هما نفسهم كانوا بيهربوا منها.
خرجنا ناحية المكان اللي كان بيقعد فيه.
الكرسي الخشب القديم كان لسه موجود.
يوسف ركع.
بص تحته.
مكانش فيه حاجة.
قال:
— مفيش حاجة.
لكن بعدها لاحظ مسمار صغير.
فكّه.
ظهر تجويف رفيع تحت قاعدة الكرسي.
جواه كان فيه ظرف.
يوسف فتحه.
المرة دي مكنش فيه وصية.
كان فيه صورة قديمة.
عم محمود أصغر بسنين، واقف جنب زوجته.
وعلى ضهر الصورة مكتوب:
“البيت مش المكان اللي عيلتك اتولدت فيه… البيت هو المكان اللي حد اختار يرجعلك عشانه.”
وتحتها رسالة قصيرة:
“يا يوسف…
بعد ما مراتي ماتت، بقيت بعد الأيام بدل ما أعيشها.
وبعدين في يوم سبت سمعت صوت ماكينة النجيلة.
بصيت من الشباك لقيت ولد صغير بيشتغل في الحر من غير ما أطلب منه.
الأسبوع اللي بعده رجعت.
وبعده رجعت.
وبعده رجعت.
أربع سنين يا يوسف.
إنت كنت فاكر إنك بتقص النجيلة.
لكن الحقيقة إنك كنت بتديني سبب أقوم من السرير يوم السبت.
لو الفلوس اللي في اللوحات ساعدتك تتعلم وتبني مستقبلك، استخدمها.
ولو اللوحات فضلت معاك طول عمرك، أنا راضي برضه.
بس أوعى تفتكر إن الخير الصغير بيروح.
يمكن اللي بيعمله ينساه…
لكن اللي محتاجه عمره ما بينساه.”
يوسف فضل ساكت فترة طويلة.
وبعدين حط الرسالة على صدره.
وقال بصوت مخنوق:
— ماما… أنا كنت فاكر إنه مش بيحب الكلام معايا.
ابتسمت وسط دموعي.
— واضح إنه كان بيقولك حاجات كتير يا يوسف… بس بطريقته.
ومن يومها، يوسف عمره ما باع اللوحة اللي عليها صورته مع عم محمود.
علقها في أوضته.
وتحتها حط الجملة اللي غيرت نظرته للحياة:
“متستصغرش معروف عملته في يوم… يمكن بالنسبة لك كان عشر دقايق من وقتك، وبالنسبة لحد تاني كان السبب اللي خلاه يستنى بكرة.”
وبعد سنين، لما يوسف كبر وبدأ حياته، فضل محافظ على عادة واحدة:
كل يوم سبت… كان يدور على شخص محتاج مساعدة، ويساعده من غير ما يسأله هيستفيد إيه.
لأن بعض الميراث بيتحط في البنك…
وبعضه بيتزرع في الإنسان.
تمت

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى