قصص و روايات

لو نفسك يا امي في الحفيد الولد

أحمد تنح، وبص لأمه اللي وشها بقى أصفر زي الموتى، وقالت وهي بتهدد جمالات:
— اسكتي يا جمالات! اسكتي الله يخرب بيتك! إنتِ بتتبلي عليا! أحمد، ما تسمعلهاش، دي ست مجنونة وجاية تعمل فتنة بينك وبين أخوك!
أحمد ما ردش على أمه، قرب من جمالات بخطوات بطيئة وقال بصوت مهزوز:
— إزاي؟ إزاي وسامح هو اللي باع الأرض وباع المحل واشترى شقته الجديدة؟ ومستندات الملكية اللي كانت معاه دي جت منين؟
جمالات طلعت ورق من الشنطة وحطته على السفرة قدام كيس الجمبري اللي لسه موجود:
— الورق ده صورة طبق الأصل من إعلام الوراثة القديم وعقود البيع الحقيقية اللي أبوك سابها معايا أنا قبل ما يموت بأسبوع واحد. أبوك كان عارف إن أمك بتفضل سامح تفضيل أعمى، وكان عارف إنها بتسحب منه الفلوس والتوكيلات وتديهاله من ورا ضهره. أمك يا أحمد هي اللي زورت توكيل باسم أبوك وهو في أيام مرضه الأخيرة، ونقلت ملكية الأرض والمحل لسامح بلطجة وتزوير!
أنا شهقت وحطيت إيدي على بقي. أحمد مسك الورق بإيد بتترعش، بدأ يقلب فيه، وعينيه بتتوسع من الصدمة. كانت العقود بتثبت إن المحل والأرض كانوا ملك للطرفين، وإن التوكيل المكتوب لسامح اتعمل في فترة أبوهم كان فيها في العناية المركزة وما يقدرش يبصم حتى!
أحمد بص لأمه بنظرة مكسورة، أكنه بيكلم حد تاني غير أمه اللي رباها وشالها على كتافه ست سنين:
— الكلام ده صح يا أمي؟ إنتِ زورتي ورق أبويا عشان تدي كل حاجة لسامح وتطلعيني أنا باللاش؟
حماتي بدأت تعيط بعصبية وتصرخ:
— أنا ما زورتش حاجة! سامح هو اللي كان هيشيل اسم العيلة! سامح خلف الولد اللي بيحمل اسم أبوك! إنت خلف بَنات يا أحمد! كنت عايزني أرمي شقى أبوك للبنات ولغريب ياكل فيه؟ سامح كان محتاج البدية، وإنت الله يعينك أهوه عايش ومستور!
أحمد صرخ فيها لأول مرة في حياته، صرخة طلعت من أرجاء صدره هزت الصالة كلها:
— مستور إيه؟! ده أنا باكل الشهد بالعافية! ده أنا بقالي ست سنين بستلف عشان أجيبلك دواكي ومصاريف علاجك اللي سامح ما دفعش فيها جنيه واحد! ده أنا كنت بقطع من قوت بنتي مريم عشان أفرشلك الأوضة وأديكي مصروفك في إيديكي كل أول شهر! وإنتِ… إنتِ كنتِ بتاخدي الشقى ده كله وتسرقي أكل بنتي من السفرة عشان توديه لابن سامح؟!
جمالات وقفت وحطت إيدها على كتف أحمد:
— مش بس كده يا أحمد… الورق ده فيه السر الأكبر. المحل اللي سامح باعه بمليون جنيه زمان؟ سامح ما اشترى بيه شقة بس… سامح ومامتك كانوا عاملين مشروع تجاري باسم سامح من وراك، وبياخدوا أرباحه كل شهر. وأمك كانت بتستلف منك وتسحب من جيبك عشان تبعتلهم الأرباح دي تكبر مشروعهم، وإنت فاكر إنك بتعالجها!
الصدمة كانت أكبر من إن أي حد يستوعبها. البيت بقى عبارة عن ساحة حرب هادية، محدش قادر يتنفس. حماتي كانت قاعدة على الكرسي بتهز رجلها بانهيار، مكسورة ومفضفضة، بس عينيها لسه فيها جشع وشر.
أنا قربت من أحمد، مسكت إيده وقلت بصوت حنين بس حاسم:
— أحمد… تهدى الأول. الورق ده لازم نوديه لمحامي يدرسه كويس. إحنا مش هنضيع حقنا ولا حق بنتنا أكتر من كده.
حماتي بصتلي بغل وحقد وقالت:
— إنتِ السوسة اللي في العمارة دي! إنتِ اللي قومتيه عليا! طول عمرك بتبصي لسامح ومراته في اللقمة والقرشين! جيتي بالست الملعونة دي عشان تهدوا البيت على دماغي!
في اللحظة دي، تلفون أحمد رن. كان سامح.
أحمد بص للشاشة، ورد وهو حاطط التلفون على السبيكر من غير ما ينطق.
صوت سامح جه من الناحية التانية، متوتر ومستعجل:
— إيه يا أحمد؟ عملت إيه مع أمك؟ يا ابني أنا قلتلك ظبط أمورك عندها، لورين مراتي هنا ماسكالي في الشوشة ومش راضية يستقبلها، وبعدين إنت عارف العيال ومصاريف المدارس اللغات بتاعة ياسين، مش ناقصين مصاريف زيادة وعلاج أمك ده بيقطّم الضهر. خليها عندك الشهر ده كمان وأنا هبقى أعدي أرميلك ألف جنيه ولا حاجة تنفعك في مصاريفها.
أحمد ضحك ضحكة مكسورة، ضحكة واحد فاوق من غيبوبة طويلة، وقال بكل برود:
— ألف جنيه يا سامح؟ هترميهم لي تنفعني؟ من أرباح المشروع اللي عملتوه بفلوس بيع أرض أبويا والمحل اللي زورتوا ورقه؟
الناحية التانية سكتت خالص. الصوت انقطع لثواني، وبعدين سامح قال بصوت حذر:
— إنت… إنت بتقول إيه يا أحمد؟ مين اللي ضاحك عليك ومفهمك الكلام الفارغ ده؟
أحمد بص لأمه، وبعدين بص لجمالات وللورق اللي على السفرة وقال:
— مش حد ضاحك عليا. الورق معايا يا أخويا. العقود وإعلام الوراثة الحقيقي والتوكيل المزور، كله في إيدي دلوقتي. وأنا مش هفضل مغفل ست سنين كمان.
سامح اتوتر وبدأ صوته يعلى:
— أحمد، بلاش جنان! الورق ده ملوش أي قيمة دلوقتي! الكلام ده عدى عليه سنين والموضوع اتقفل! بلاش تمشي ورا كلام الحريم وتخرب على أخوك الكسيب!
أحمد قال بثبات ما شفتهوش فيه من يوم ما اتجوزنا:
— لا يا سامح، الموضوع ما اتقفلش… الموضوع يلا دوبك بيبدأ. إنت قدامك ساعتين بالظبط. تيجي تاخد أمك بنفسك، وتجيب معاك كل عقود المشروع والأرض، عشان نقعد نتحاسب بالقرش والمليم. ولو ما جيتش خلال الساعتين دول… الورق ده بكرة الصبح هيبقى في النيابة العامة بتهمة التزوير والاستيلاء على حق الورثة.
قفل المكالمة في وش أخوه من غير ما يستنى يراغمه.
حماتي صرخت:
— إنت بتهدد أخوك الكبير يا أحمد؟! بتهدد سندك في الدنيا عشان شوية ورق وشوية جمبري؟!
أحمد بص لأمه بكل قسوة الدنيا وقرار لا رجعة فيه وقال:
— سامح مش سندي يا أمي… سامح هو اللي كان بيمص دمي ورزق بنتي بمساعدتك. وإنتِ… إنتِ من الساعة دي مالكيش كلمة في البيت ده.
حماتي وقفت، عينها طالع منها شرار، وبصتلي أنا ومريم وقالت:
— ماشي يا أحمد… فاكر إن الورق ده هيخليك تكسب؟ إنت ما تعرفش سامح عامل إيه وراميك في إيه! المشروع اللي إنت فرحان بيه ده مش باسمه لوحده… وسامح كاتب عليك إنت شيكات وضمانات من غير ما تعرف زمان لما كنت بتوقعله على ورق الصيدلية والشركة بتاعته! لو اتكلمت يا أحمد… إنت اللي هتتسجن قبل منه!
الكلمة نزل علينا زي الصاعقة. أحمد اتجمد مكانه، وبص لأمه بذهول…

السكوت اللي ساد في الصالة بعد كلمة حماتي كان أتقل من الجبل. الكلمة كانت نازلة كأنها كرباج اترسم على وش أحمد. شيكات؟ ضمانات؟ إزاي وفيين ومتى؟ أحمد وقف زي الصنم، إيده اللي ماسكة ورق الورثة بدأت ترتعش بجد، مش من الخوف، لكن من هول الصدمة. الإنسان لما يتغدر بيه من غريب بياخد حذره، لكن لما الغدر ييجي من إيد أمه وأخوه اللي من دمه، الضربة بتهد الحيل وما بتسيبش حتة سليمة.
حماتي وقفت في نص الصالة، وشها اللي كان دبلان من شوية تحول لملامح فيها الشماتة والتحدي، ربعت إيدها وبصت لأحمد بمنتهى القسوة وقالت:
— فاكر نفسك كبرت وبقى ليك صوت يا أحمد؟ فاكر إن شوية ورق أصفر جابتهم العقربة دي هيخلوا ليك كلمة عليا وعلى أخوك؟ سامح ده سيدك وسيد العيلة دي كلها، ومن سنين وهو عامل حسابه لليوم ده. لما جالك من أربع سنين وقالّك تعالى اشترك معايا في شركة التوريدات الصغيرة وخلّاك تتطلع على أوراق وتوقع بصفتك الشريك الموصي، الورق اللي وقّعت عليه ما كانش ورق شراكة بس يا روح أمك! كان فيه شيكات على بياض وإقرارات دين بمبالغ تتمنى تشوفها في حلمك!
أنا حسيت إن الأرض بتدور بيا. مريم بنتي كانت لسه مستخبية ورا ضهر أحمد، ماسكة في بنطلونه بإيدها الصغيرة وبتعيط بصوت مكتوم وهي مش فاهمة إيه بيحصل، بس حاسة بالخطر اللي مالك المكان. أنا قربت من أحمد، مسكت دراعه بقوة وقلت بصوت بيترعش بس حاول يكون صلب:
— أحمد… بتبصلها كده ليه؟ الكلام ده مش صح… أكيد بتخوفك عشان تتراجع! افتكر إنت وقّعت على إيه وقتها!
أحمد غمّض عينيه بوجع، وغمزاته ظهرت من كتر ما كان ضاغط على سنانه. رجع بالذاكرة لأربع سنين فاتوا، ونطق بصوت مبحوح كأنه طالع من بير ملوش قاع:
— يومها… يومها سامح جالي الورشة، وكان جايب معاه أكل وعامل فيها الأخ الحنين. قال لي يا أحمد أنا عايز أوسع شغلي، وفيه مناقصة مستلزمات طبية محتاجة شركاء عشان الشروط، وقدم لي ملف أوراق كتير وقال لي بس بصم إيدك وهيصة، دي أوراق إدارية مش هتغرمك مليم، ده مجرد توثيق إن العيلة متضامنة… وأنا… أنا وقتها كنت أعمى، كنت فاكر أخويا الكبير بيفتح لي باب رزق أو حتى بيشاركني في نجاحه… ووقعت وبصمت على أوراق كتير من غير ما أقرا حرف واحد!
حماتي ضحكت بصوت عالٍ ضحكة رنانة ماليها الغل:
— ورجلت يا حبيبي! بصمت ووقعت! وسامح شال الشيكات دي في السيف عنده في البيت، قال لي يا أمي عشان لو أحمد في يوم من الأيام اتفرعن ولا مراته عفرتته علينا، نعرف نوقفه عند حده ونرجعه حجمه الطبيعي! أها، اديك شفت حظك بقى… لو حركت خطوة واحدة ناحية النيابة بالورق ده، سامح هيروح بكرة الصبح يرفع الشيكات دي في المحكمة، وتلاقي نفسك لابس قض..ية تبديد وحبس مش أقل من سبع سنين! ساعتها بقى خلي العباية السودة والست جمالات ينفعوك!
جمالات وقفت من على الكنبة، وبصت لحماتي بنظرة احتقار شديدة، وضربت كف بكف وقالت:
— يا ساتر يا رب! إيه الغل ده كله؟ إيه القلب الأحجر ده؟! بقى أم تبطّن لأبنها مصيبة وتفرح فيها عشان خاطر ابن تاني؟ إنتِ إيه يا شيخة؟ إنتِ إبليس يتعلّم منك! بس وحياة طول عمري اللي ضاع بعيد عن العيلة دي، مش هسيبك تمشي مخططك القذر ده على أحمد!
أحمد بصلهم هما الاتنين، كان منظره يقطع القلب. الراجل اللي اشتغل ليل ونهار، اللي كان بيصحى من ستة الصبح عشان يروح شغله، ويرجع بالليل يشتغل شغلانة تانية عشان يسدد مصاريف علاج أمه ومصاريف بيته، الراجل اللي ما رفضش لأمه طلب في يوم، يكتشف إنه كان مجرد لقمة سايغة في بق أمه وأخوه، بيستغلوه ويجهزوله المشنقة في أي وقت يقرر فيه يطالب بحقه!
أحمد قعد على الكرسي، وحط راسه بين إيديه. المنظر كان صعب. مريم قربت منه وحطت إيدها على ركبته وقالت:
— بابا… إنت بتعيط؟
أحمد رفعه راسه بسرعة، مسح عينيه بإيده واستجمع قوته بالعافية، وطبطب على راس مريم وقالها:
— لا يا حبيبتي… بابا مش بيعيط، بابا بيستوعب بس. روحي جوة أوضتك يا مريم دلوقتي يلعب باللعب بتاعتك.
مريم بصتلي، أنا هزيت لها رأسي بمعنى روحي، ومسكت إيدها ودخلتها الأوضة وقفلت الباب بالراحة. لما رجعت الصالة، لقيت الوضع اتغير. أحمد ما كانش منكسر زي من شوية، كان فيه نظرة جديدة في عينيه… نظرة راجل ما بقاش عنده حاجة يخسرها.
أحمد بص لأمه وقال بصوت هادي جدًا، والهدوء ده كان يرعب أكتر من الصريخ:
— ماشي يا أمي. سامح كاتب عليا شيكات على بياض، وإنتِ فرحانة ومبسوطة إن ابنك البكر بيلوي دراع ابنك الصغير. تمام. إحنا مستنيين سامح لما ييجي. مش هو فاضل له ساعة وييجي؟ خلونا قاعدين ومستنيين.
حماتي ارتبكت من هدوء أحمد، كانت فاكراه حيعيط أو يتوسل لها عشان تتدخل عند سامح وما يرفعش الشيكات. وقالت بتوتر:
— إيه؟ هتستنى إيه؟ إنت فاكر إنه هيخاف منك؟ سامح جاي وياخدني من هنا، وإنت ترجع لعقلك وتديني الورق اللي مع جمالات ده تحرقه قدامي، ساعتها بس هخلي سامح يسلمك الشيكات ونسامحك على اللي عملته النهاردة!

مقالات ذات صلة
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى