
جمالات ضحكت وقالت:
— تحرق الورق؟ ده إنتِ بتحلمي يا أم سامح! الورق ده مش هيتحرق، ده صورة طبق الأصل، الأصل محفوز في مكان أمين محدش يعلم بيه غير ربنا وأنا! والورق ده هو اللي هيطير رقبتكم إنتِ وابنك!
في اللحظة دي، خبط جامد على باب الشقة. الخبط كان متوتر وسريع، كأن اللي برة بيهد الباب.
أحمد قام ببطء، مشى ناحية الباب وفتحه.
كان سامح.
سامح دخل الشقة ووشه جايب ألوان، العرق نازل على جبهته رغم إن الجو ما كانش حر. كان باين عليه الخوف والاضطراب. بص لأحمد، وبعدين بص لجمالات اللي كانت واقفة مربعة إيدها، وبعدين بص لأمه.
سامح نطق بصوت عالي وهو بيحاول يفرض سيطرته:
— إيه الجنان اللي بيحصل هنا ده؟ إنتِ إيه اللي جابك يا جمالات؟ جاية بعد السنين دي كلها عشان تعملي فتنة بين الأخوات؟ وأنت يا أحمد… إيه الكلام الفارغ اللي بتقوله في التلفون ده؟ تزوير إيه ونيابة إيه؟ إنت اتجننت؟
أحمد ما ردش بشرة، وقف وسد طريق الصالة، وبصلو بمنتهى الثبات وقال:
— أهلاً يا سامح. اتفضل أدخل. كنت مستنيك عشان تحل الفزورة دي. أمك بتقول إنك كاتب عليا شيكات على بياض من أربع سنين، وإنك جنيت عليّ وخليتني أوقع على إقرارات دين عشان لو طلبت بحقي في ورث أبويا تلبسني قض..ية وتوديني السجن. الكلام ده صح يا أخويا الكبير؟
سامح اتلعثم، وبص لأمه بعتاب شديد وكأنه بيلومها إنها كشفت السر، وقال متوتر:
— شـ… شيكات إيه؟ أمك بتقول أي كلام عشان كانت زعلانة منك! أنا أعمل فيك كده يا أحمد؟ ده إنت أخويا الصغير!
جمالات اتكلمت بصوت عالي:
— بلاش تمثيل يا سامح! الوش ده حافظاه كويس من أبوك الله يرحمه ومن أمك! الكذب في دمكم! اخلص وقول للراجل إنت ناوي على إيه، عشان أصل العقود الحقيقية اللي معاها إعلام الوراثة المزيف المكتوب باسمك جاهزة تنزل للنيابة بكرة الصبح!
سامح مسح العرق من على وشه، وبص لجمالات بغضب:
— إنتِ تسكتي خالص! ما تدخليش بيني وبين أخويا!
وبعدين بص لأحمد وقرب منه، وغير نبرة صوته لنبرة هادية ومخادعة:
— أحمد… يا حبيبي، تعالى نتكلم في الأوضة جوة لوحدنا. بلاش الكلام قدام الحريم. الحريم هما اللي بيخربوا البيوت. تعالي نتفاهم يا أخويا.
أنا اتدخلت وقلت بصوت حاسم:
— لا يا سامح! مفيش كلام في الأوضة لوحدكم! الكلام كله هيبقى هنا وقدام الكل! أحمد ما بقاش أعمى، وأنا مش هسيبك تستفر بيه تاني وتضحك عليه بكلمتين حنينين!
سامح بص لي بغل وقال:
— إنتِ تسكتي خالص! إنتِ السبب في كل ده! من يوم ما دخلتي العيلة دي وإنتِ شايلة الغل والكره لمراتي ولابني، والنهاردة طالعة تعملي مشكلة عشان شوية جمبري أمه كانت رايحة تديه لابني؟!
أحمد صرخ بصوت هز جدران الشقة، وصوته كان مليان غضب سنيين مكتوم:
— الشتيمة في مراتي خط أحمر يا سامح! مراتي دي هي اللي كانت بتستحمل أمك وطلباتها وقرفها ست سنين كاملين! مراتي دي هي اللي كانت بتدبر قرشين البيت عشان أعرف أدفع علاج أمك وأدويتها اللي إنت ما دفعتش فيها جنيه واحد! مراتي دي هي اللي حارمة بنتها من الأكل الغالي والفاكهة عشان أمك تخبيه وتديه لابنك! بلاش تتكلم عن المبادئ والأخلاق وإنت لابس عباية التزوير والنصب!
سامح وشّه اسودّ، وفهم إن المحايلة مش هتجيب نتيجة مع أحمد. ملامحه اتغيرت وشخصيته الحقيقية ظهرت، وقف بشر وقال:
— ماشي يا أحمد… طالما جادد في كلامك ومش عايز تتراجع، أه… الشيكات معايا! ومعايا إقرار منك بدين بقيمة أربعمائة ألف جنيه، موثق ببصمتك وتوقيعك! لو سمعت صوتك تاني أو حاولت ترفع قض..ية تزوير على ورث أبويا، الشيكات دي هتبقى في المحكمة تاني يوم، وهتترمي في السجن وهتسيب مراة وبنتك يلفوا على الأبواب! وريني بقى هتنفعك إزاي السبعة وثمانين ألف جنيه بتوع نصيبك في المحل والأرض لما تبقي محبوس!
الصمت نزل على المكان تاني. حماتي ابتسمت بنصر، كأنها كانت مستنية اللحظة دي.
لكن أحمد ابتسم… ابتسامة غريبة جدًا. ابتسامة راجل كشف كل الكروت.
أحمد طلع موبايله من جيبه، وحطه على الترابيزة قدام سامح.
الموبايل كان بيسجل.
أحمد قال ببرود شادد:
— الشيكات دي يا سامح… إنت قلت بعظمة لسانك دلوقتي إنك خدتها مني بالتزوير والخديعة، وإنك مخليني أوقع عليها عشان تضغط عليا وما أطالبش بحقي في الورث. والتسجيل ده شغال من أول ما دخلت الشقة وسمعت كلامك وكلام أمك بالتفصيل.
سامح اتصدم، وعينيه اتوسعت من الخوف، وهجم على الترابيزة عشان يخطف الموبايل، بس أحمد كان أسرع منه، مسك الموبايل وحطه في جيبه وهو بيبعد سامح بإيده التانية بقوة.
أحمد قال بثقة:
— ومش بس كده يا أخويا الكبير… الورق اللي إنت فاكر إنه اتنسى؟ التوكيل اللي زورتوه باسم أبويا وهو في العناية المركزة؟ التارخ بتاعه مكتوب فيه إنه اتعمل يوم ١٤ يناير ٢٠١٨. وأبويا الله يرحمه دخل العناية المركزة وفقد الوعي تمامًا من يوم ١٠ يناير ٢٠١٨، وتقارير المستشفى الحكومي والرعاية المركزة لسه موجودة وفيها أختام الأطباء وتوقيعاتهم إن الحالة كانت غير واعية تمامًا وما تقدرش تتصرف قانونيًا! يعني التوكيل باطل قانونًا، والتزوير جناية مش مجرد جنحة!
سامح رجع لورا خطوتين، كأنه اتضرب على دماغه بآلة حادة. وش حماتي اصفرّ أكتر، ورجليها اتعكست وما بقتش قدرة تقف.
جمالات ضحكت بصوت عالٍ وصقفت بإيدها:
— الله عليك يا ابن أخويا! الله عليك يا أحمد! طالع لأبوك في ذكاءه وحكمته لما كان بيركز في التفاصيل! المستشفى والدكاترة لسه موجودين، والتقارير اتوثقت من زمان!
سامح بدأ يترعش، الخوف أكل قلبه لأن عارف إن جناية التزوير واستعمال محرر مزور عقوبتها السجن المشدد، وغير كده هتضيع منه الشقة والمشروع وكل حاجة بناها من الحرام.
سامح نزل إيديه وبدأ صوته يضعف:
— أحمد… يا أحمد استهدى بالله… إحنا إخوات في الآخر… بلاش ندخل المحاكم والنيابات بيننا… الناس تقول علينا إيه؟
أحمد بص له بقرف وقال:
— الناس؟ إنت افتكرت الناس دلوقتي؟ وين كان عُرف الإخوة لما كنت بتاكل شقايا وبتخطط تسجنني؟ وين كانت الإخوة وأمك بتاخد أكل بنتي الصغيرة المريضة عشان تديه لابنك وتقلل من قيمة بنتي عشان هي بنت وياسين ولد؟
حماتي بدأت تعيط بجد المرة دي، دموع خوف مش دموع ندم، وقربت من أحمد وهي بتترجاه:
— يا أحمد يا ابني… عشان خاطري أنا… بلاش تسجن أخوك… سامح ده روح قلبي، لو جرى له حاجة أنا أموت! اعمل خاطر للي ربتك!
أحمد بص لأمه بنظرة ألم عميقة وقال:
— إنتِ ما ربيتنيش يا أمي… إنتِ ربيتي سامح بس. إنتِ كنتِ بتستخدميني خادم وممول لمشاريع سامح. أنا طول الست سنين اللي فاتوا كنت فاكر إنك صابرة ومعذبة، وكنت بشيل الجزمة وأحطها على رأسي عشان رضاكي… اتاري رضاكي كان بتمن، والتمن ده هو شقايا وصحة بنتي كرامة مراتي!
أحمد مشى ناحية باب الأوضة، فتح الباب وجاب الشنطة الكبيرة بتاعة حماتي اللي كانت جاية بيها من ست سنين، وحطها في نص الصالة.
وقال بصوت صارم، صوت راجل أخد قراره وما فيش قوة في الأرض هترجعه عنه:
— سامح… إنت قدامك حلين مالهمش تالت.
الحل الأول: بكره الصبح الساعة تسعة الصبح، نكون واقفين قدام شهر العقاري والمحامي. تنازل لي عن نصيبي الكامل في ورث أبويا، بما فيه أرباح المشروع اللي عملتوه بفلوس المحل والأرض طول السنين اللي فاتت، وتبعت لي أصل الشيكات وإقرارات الدين المزورة عشان نولع فيها قدام المحامي. وتدفع لي كل المصاريف والعلاجات اللي أنا دفعتها لأمي طول الست سنين اللي فاتوا، لأنك إنت اللي كنت بتشفط أرباح المحل والأرض لوحدك!
سامح بلع ريقه بصعوبة وقال بصوت خافت:
— والتاني…؟
أحمد قال بثبات:
— الحل التاني: التسجيل ده والتقارير الطبية وصور العقود المزورة هتكون عند النائب العام بكرة الساعة عشرة الصبح. ساعتها التزوير والجناية هتطولك إنت وأمي، لأنها كانت شريكة معاك وباصمة في التوكيل المزور!
حماتي شهقت وصرخت:
— عايز تسجن أمك يا أحمد؟!
أحمد بص لها وقال:
— أنا مش هسجن حد… أفعالكم هي اللي هتسجنكم. القانون هو اللي هيحاسبكم. وأنا مش هظلم حد، أنا باخد حق بنتي وحقي اللي أكلتوه بالباطل.
ثم مسك شنطة أمه وحطها قدام سامح:
— ودلوقتي… تاخد أمك معاك. الشقة دي شقتي، جبيتها بعرقي وشقايا، ومحدش هيدخلها تاني يظلم بنتي ولا يقلل من مراتي. أمك تعيش معاك في شقتك الكبيرة اللي اتشرت بفلوس أبويا. تعيش مع ياسين “حفيدها الولد” اللي هيشيل اسم العيلة، وخلي ياسين يشيل مصاريف علاجها وأدويتها من أرباح المشروع اللي سرقتوه مني!
سامح كان واقف مكسور، ما قدرش ينطق بكلمة واحدة. عارف إن أحمد ماسك كل الخيوط في إيده، وإن أي حركة غلط هتوديه في داهية. بص لأمه وقال بصوت مهدود:
— يلا يا أمي… قومي معايا.
حماتي وقفت ببطء، بصت للشقة اللي عاشت فيها ست سنين بتتآمر وتتحكم، بصت لي أنا وأحمد ونظرتها كانت مليانة هزيمة. ما قدرتش تتكلم، خرجت بخطوات تقيلة، وسامح ماشي وراها شايل شنطتها كأنه شايل هم الدنيا فوق كتافه.
قبل ما يقفل الباب، سامح بص لأحمد وقال:
— بكرة الساعة تسعة… هكون عند المحامي بالورق كله والشيكات.
أحمد هز رأسه ببرود:
— مستنيك.
الباب اتقفل.
الهدوء نزل على الشقة تاني، بس المرة دي كان هدوء راحة، هدوء بعد العاصفة لما تنضف الجو وتطير كل القش والتراب.
جمالات قربت من أحمد، طبطبت على كتفه بابتسامة فخر وقالت:
— برافو عليك يا أحمد… طالعة راجل من ظهر راجل. أبوك الله يرحمه دلوقتي مرتاح في تربته لما شافك بتاخد حقك وحق بنتك بالعدل والقانون. أنا كده أديت الأمانة اللي أبوك سابها معايا، وأقدر أمشي وأنا مرتاحة.
أحمد مسك إيد خالته جمالات وقالها بامتنان:
— أنا مش عارف أملك إيه يا طنط جمالات… لولا وجودك والورق اللي معاكي، كنت هفضل عايش في الغفلة دي عمر كله، وكنت هفضل فاكر إن أنا المقصر في حقهم.
جمالات ابتسمت وقالت:
— حقك يا ابني. والظلم ما يدومش أبداً. أنا هبقى معاكم بكرة عند المحامي عشان أضمن إن كل حاجة تمشي صح.
ودعنا طنط جمالات، ولما الباب اتقفل وراها، الصالة بقت فاضية ونظيفة.
أنا مشيت ناحية أحمد. كان واقف عند السفرة، باصص لكيس الجمبري اللي كان سبب في كشف كل القرف ده.
أحمد بص لي، وعينيه كانت مليانة دموع، بس المرة دي كانت دموع ارتياح وشفاء من جرح قديم.
أنا قربت منه، مسكت إيديه الاتنين وقلت بصوت حنين:
— الحمد لله يا أحمد… الحق ظهر. ربنا ما بيرضاش بالظلم أبداً.
أحمد مسك إيدي بقوة، وباس رأسي وقال:
— أنا آسف يا حبيبتي… آسف على كل يوم است حملتي فيه الظلم ده عشان خاطري. آسف إن كنت أعمى ومش شايف اللي بيحصل في بيتي وفي بنتي. يوعدك من النهاردة، محدش هيقدر يجي على كرامتك ولا على حق مريم تاني أبداً.
في اللحظة دي، باب الأوضة اتفتح بالراحة، ومريم خرجت ببطء، بصت حولها ولقيت الصالة فاضية ومفيش غيرنا.
قربت منا بخطوات صغيرة وقالت بابتسامة بريئة:
— بابا… تيتة وعمو مشيوا؟
أحمد قعد على ركبه، وفتح دراعاته لمريم. مريم جريت عليه وحضنته بقوة. أحمد ضمها لصدره وباسها في خدها وقال بصوت مليان فرحة:
— أه يا روح بابا… مشيوا. والبيت ده بقى بتاعنا إحنا وبس. محدش بياخد حاجتك تاني أبداً.
مريم بصت للسفرة وقالت بفرحة طفولية:
— يعني الجمبري بتاعي لسه هنا؟
أنا أبتسمت وضحكت من قلبي، ورفعت كيس الجمبري اللي كان لسه دافي:
— أه يا ستي… الجمبري بتاعك لسه هنا وزي ما هو. يلا بينا ندخل المطبخ ونسخنه، ونقعد ناكل أحلى غدوة إحنا التلاتة مع بعض!
مريم تسقف بإيدها وجريت على المطبخ وهي بتغني وفرحانة.
أحمد وقف، ومسك إيدي، وبص لي بابتسامة صافية أول مرة أشوفها على وشه من سنين. ابتسامة راجل رجّع هيبته ورجّع حقه، وحمى بيته وبنته من أقرب الناس ليه.
دخلنا المطبخ مع بعض، والبيت اللي كان مليان نكد وغدر ست سنين، أخيرًا بقى مليان بضحك مريم وريحة الأكل الدفية، وراحة البال اللي ما تتقدرش بمال الدنيا.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”
-
تحتمنذ 7 ساعات
-
بنت اختيمنذ 9 ساعات
-
فرصة تانيهمنذ 9 ساعات
-
جذمة جوزيمنذ يوم واحد







