منوعات

ايد بنتي

جنى حالتها النفسية اتدمرت، بطلت تروح المدرسة من كثر ما أصحابها بيقعدوا يبصوا على إيدها ويسألوها أسئلة تجرحها. بقت تقفل على نفسها الأوضة وتصحى في نص الليل تصرخ وتعيط من الوجع. والأسوأ من كل ده، إني بدأت ألاحظ نفس البقع الحمرا دي بدأت تظهر في رقبتها وعلى ضهرها! أنا خلاص، اليأس أكل قلبي، وبقيت مش عارفة أعمل إيه. فكرت مع نفسي.. طب ما أقول لإيهاب؟ هو مسافر بره في دولة تقدمها الطبي عالي، يمكن يصور إيدها لدكتور هناك، أو يلاقي علاج للمصيبة اللي إحنا فيها دي.

مسكت التليفون وإيدي بترتعش، وكلمته فيديو. أول ما فتح قبل ما يسلم حتى، صوّرت له إيد جنى بالكاميرا وقربت أوي عشان يشوف شكل البقع والمرار اللي إحنا فيه. صوته طلع مرعوب إيه ده يا سمر؟! إيه اللي في إيد البنت ده؟! قلت له وأنا بعيط مش عارفة يا إيهاب.. بقالنا شهرين في العذاب ده، ما خليتش دكتور ولا تحليل إلا وعملته وما حدش عارف ده إيه ولا سببه إيه.. البنت بتضيع مني وبتقول فيه نار تحت جلدها!

مقالات ذات صلة

سكت لحظة.. وفجأة وشه اتغير تماماً، وسألني بصوت طالع بالعافية سمر.. هي جنى.. هي جنى أكلت من الشوكولاتة اللي كنت ببعتها عشانك؟! أنا اتوترت وقلت أقوله الصراحة وخلاص، فرديت بتلعثم بصراحة.. اه.. أنا مادوقتهاش خالص يا إيهاب، جنى قالتلي إنها بتحب طعمها، وأنا قلت هي أولى مني هي كمان ضعيفة وتعبانة.. بس يا حبيبي ده دخله إيه باللي بقولهولك؟ إحنا بنحكي في مرض بنتك! ما لحقتش أكمل جملتي، ولا لحقت أبرر له أنا ليه عملت كده.. لقيت عينيه برقت بطريقة مرعبة، وفجأة، الشاشة اتهزت، وسمعت صوت خبطة جامدة على الأرض.. إيهاب  عليه في ساعتها والخط قطع!!!!!!

أنا وقفت أطالع الشاشة الفاضية وإيدي بترتعش، الصوت اللي سمعته قبل ما الخط يقطع كان زلزل كياني. صوت وقعته على الأرض، صرخة مكتومة منه، وتليفونه اللي طار واختفت صورته.  بقت هادية زي المقابر، ومفيش غير صوت أنفاس جنى اللي بتعيط في الأوضة التانية من الوجع. قلبي كان بيدهس في صدري دهس. ألف سؤال وسؤال بيصرخوا في دماغي بنفس الوقت هو ليه اغمى عليه كده؟ الشوكولاتة؟ معقول الشوكولاتة هي السبب؟ طب إزاي دوا للأنيميا يعمل كده في بنته؟ ولا هو كان عارف؟

مسكت التليفون وضربت رقمه مية مرة، الخط يرن ومحدش بيرد.. المرار كله اتجمع في حلقي. جالي ذهول وشلل في التفكير. طلعت أجري على  جنى، لقيتها قاعدة على السرير حاضنة إيدها وشكلها يقطع القلب، البقع الحمرا بقت أغمق وكأن تحت الجلد فيه دم مجلط ومغلي. قربت منها وأنا ببلع ريقي بصعوبة، وسألتها بصوت مرعوب  جنى.. الشوكولاتة اللي كنتي بتاكليها.. بقيتها فين؟ فيه منها أي حتة فاضلة؟ أي غلاف؟ أي زبالة في سلة ؟

جنى بصتلي بعيون  نازلة مغرقة وشها وقالت بصوت مجهد فيه.. فيه ورقة في درج المكتب، كان فاضل فيها حتة صغننة أوي مبقية منها من المرة اللي فاتت وكنت عيناها أتسلى عليها.. هو فيه إيه يا ماما؟ بابا ماله؟ ما رديتش عليها، طرت على المكتب، فتحت الدرج وطلعت الورقة. كانت شوكولاتة غامقة جداً، ريحتها فيها حاجة نفاذة ومش طبيعية.. ريحة مش زي الشوكولاتة العادية، فيها حاجة شبه ريحة الصدأ أو الأعشاب المريرة المتخمرة. أخدت الورقة وحطيتها في كيس بلاستيك وقفلته بإحكام. إيدي كانت بترتعش لدرجة إني مش عارفة أمسك الكيس. في اللحظة دي، تليفوني رن!

كان رقم غريب من البلد اللي فيها إيهاب.. فتحت بسرعة وصوت صراخي سبق كلامي إيهاب؟! أنت كويس؟! جالي صوت واحد تاني، بيتكلم بلغة عربية مكسرة بس يفهم، قال لي أنا صاحب إيهاب في السكن والمطعم اللي شغال فيه.. إيهاب أغمى عليه ونقلناه المستشفى، الدكتور بيقول جاتله صدمة عصيبة حادة وضغطه نزل للصفر، بس هو فاق شوية وبيصرخ باسمك وباسم بنتكم ومسترخي مش قادر يقف على رجله.. خديه كلميه بسرعة. سمعت صوت إيهاب في التليفون، صوت طالع من بئر عميق، شهقات وعياط هيستيري.. صوت عمري ما سمعته منه طول 16 سنة جواز!

سمر… الحقيني يا سمر… أنا قتلت بنتي! أنا قتلت جنى ب إيدي الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة. صرخت فيه بكل قوتي قتلتها إزاي؟! الشوكولاتة فيها إيه يا إيهاب؟ انطق! إيهاب كان بيبكي بكا يقطع الصخر، ومابين كل نفس ونفس كان بيحكي الكابوس البشع اللي كان مدبره. قال لي وهو بيشهق سمر.. الشوكولاتة دي فيها مادة سمية نادرة وجرعات مركزة من مادة كيميائية بتدمر الجسم على المدى البعيد من غير ما تظهر في أي تحاليل دم عادية أو كبد وكلى..  ده ملهوش أثر طبي معفون، وكان المفروض يقتلك بالبطيء وكأنه مرض مناعي مجهول!

أنا اتسمرت مكاني، الشقة بقت تلف بيا  أنا؟! ليه يا إيهاب؟! أنا عملتلك إيه؟! إيهاب صوته كان بيتخنق أنا اتجوزت عليكي من سنة يا سمر.. اتجوزت واحدة هنا وأهلها مقتدرين، وعايز أرجع استقر في مصر وأجيبها تعيش معايا..  دي مكتوبة باسمك أنتِ، وأنتِ رفضتي قبل كده تبيعيهالي أو تكتبيها باسمي.. الشيطان دخل بيننا وقالي لو متي بمرض مجهول، الشقة وورثك ويرجعلي وكل حاجة تبقي ملكي وأعرف أجيب

مراتي الجديدة هنا ونعيش فيها ونربي جنى.. كنت بحطلك السم في الشوكولاتة عشان تخلصي بالبطيء ومحدش يشك في حاجة.. أقسم بالله الشوكولاتة دي كانت معمولة بعناية وعليها جرعة محددة ليكي أنتِ.. جنى لما أكلتها جسمها الصغير ما استحملش الجرعة الشديدة دي والسم ضرب في جلدها وعروقها! أنا كنت حاسة إن قلبي بيتقطع حتت. الحب والاهتمام وكل الورد والكراتين اللي كانت بتيجي كل أول شهر.. كل ده كان غطاء للقتل والسم! كل ما يكلمني يسألني أكلتي الشوكولاتة؟ ما كانش بيطمن عليا، ده كان بيطمن السم موتك ولا لسه!

قمت وقفت، وبصيت ناحية أوضة جنى اللي صوت عياطها كان بيعلى. قلت له بنبرة صوت ميتة خاليه من أي مشاعر أنت مش بني آدم.. أنت مجرم وقتال .. أردت تقتلني عشان شقة وتجيب واحدة تانية مكان، فربنا رد كيدك في نحرك وخلى بنتك هي اللي تاكل سمك.. والله لو بنتي جرى لها حاجة، مش هسيبك إلا على المشنقة. قفلت الخط في وشه، وأخدت كيس الشوكولاتة وجريت على مركز  في المستشفى الجامعي. دخلت وأنا بصرخ وبقولهم الحقوا بنتي! البنت  بمادة كيميائية نادرة!

الدكاترة اتجمعوا بسرعة، أخدوا جنى على العناية المركزة، وأخدوا حتة الشوكولاتة المتبقية يدخلوها معمل الطب الشرعي والسموم الجنائية فوراً. عدت 48 ساعة، كانوا أطول وأصعب ساعتين في حياتي. كنت قاعدة على الأرض بسجد وأدعي ربنا بنحيب يا رب هي مالمهاش ذنب.. يا رب أنقذ طفولتها من غدر

بعد يومين، طلع الدكتور المسؤول ومعه ضابط شرطة، وقال لي الحمد لله، لحقنا البنت في آخر لحظة. تحليل  الجنائي كشف المادة المسممة، وهي مادة بتسبب تخثر شديد وحرقان في الأوعية  الدقيقة، ومواد بتدمر المناعة من غير ما تظهر في وظائف الكبد والكلى التقليدية. حظ البنت إننا أخدنا العينة وعرفنا المادة الفعالة وادينالها المضاد  Antidote وغسيل ، والورم والبقع بدأوا . الضابط اتدخل وقال تقرير الطب الشرعي أثبت وجود مادة سمية مجرمة، والبلاغ اتحول للنيابة العامة بتهمة الشروع في  العمد مع سبق الإصرار والترصد.

سجدت في الأرض وأنا ببكي وبشكر ربنا. ربنا نجى بنتي وكشف المخطط البشع قبل ما أكون أنا الضحية. خلال أيام، بفضل التنسيق مع الإنتربول الدولي والشرطة، اترحل إيهاب لمصر  عليه. حاول يبكي ويتوسل ويدعي اللحظة إنه ندمان، بس القانون ما بيرحمش مجرم حاول  مراته وبنته عشان طمع وشقة. عدت سنة كاملة على الكابوس ده. إيهاب خد جراءه وأخد حكم مشدد بالسجن المشدد في قضية الشروع في ، والجوازة التانية اتفككت وتخلت عنه أول ما اتقبض عليه.

أما جنى، فصحتها رجعت لها بالكامل، والبقع الحمرا اختفت تماماً. كبرت وبقت في ثانوية عامة، ورجعت ضحكتها تنور الشقة اللي كانت هتكون قبرها. تعلمت إن مش كل اللي بيظهر بمظهر الحب والاهتمام بيكون حقيقي، وأن الطمع والغدر ممكن يخلوا الأب يتحول لوحش.. بس ربنا دايماً بالمرصاد، والعدل بيتحقق، والحمد لله الذي نجانا من القوم الظالمين.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى