
بعد ما عشا ذكرى جوازنا فضل زي ما هو على السفرة لحد ما الساعة قربت من نص الليل، وأنا قاعدة مستنية سامح ومش فاهمة هو فين وليه بقاله تلات سنين كل ما أسأله عن شغله يكتفي بجملة واحدة عن المستشفى اللي بيشتغل معاها وبعدها يغير الموضوع كأنه بيقفل باب في وشي ومش عايزني أعرف أي حاجة عن حياته بره البيت، قررت أعرف بنفسي هو بيقضي كل الوقت ده فين.
بعدما ظل عشاء ذكرى زواجنا كما هو على السفرة حتى اقتربت الساعة من منتصف الليل، قررت أن أعرف أخيرًا أين يقضي سامح كل هذا الوقت، ولماذا ظل طوال ثلاث سنوات يكتفي كلما سألته عن عمله بجملة واحدة عن المستشفى الذي يعمل معه، ثم يغير الموضوع وكأن ما يفعله خارج البيت لا يخصني.
بحثت عن اسمه على الإنترنت، فوجدت موقعًا لمركز مهني في القاهرة، وكان بإمكاني من خلاله حجز جلسة استشارة أو تدريب على مقابلات العمل.
كانت أغلب التقييمات مكتوبة من نساء.
سامح غيّر حياتي.
كنت فاكرة إني ما بقيتش أنفع لحاجة لكنه خلاني أشوف نفسي بطريقة مختلفة.
دخلت عنده وأنا مرعوبة، وخرجت وأنا عارفة إني لسه أقدر أبدأ.
ثم وجدت تعليقًا جعل أصابعي تتوقف فوق الشاشة
يا بنات، ثقوا بي… هو يستاهل كل جنيه دفعته.
ظللت أحدق فيه، ثم قرأت تعليقًا آخر
جوزي مش عارف إني باجي هنا.
وقتها لم أعرف هل أشعر بالغيرة أم بالخوف أم بالغضب.
لكنني عرفت شيئًا واحدًا.
كنت أريد أن أعرف.
حجزت أقرب موعد متاح باسم مستعار، واستخدمت بريدًا إلكترونيًا قديمًا لا يرتبط بحساب سامح أو هاتفه، ورقم هاتف آخر لا يعرفه.
كان نظام الحجز في المركز لا يحتاج سوى الاسم ورقم الهاتف وموعد الجلسة، لذلك لم يكن هناك ما يلفت انتباه سامح إلى أن المرأة التي حجزت الموعد هي زوجته.
في البداية،
-
بقعه علي فستان زفافيمنذ ساعتين
-
يمكن خيرمنذ ساعتين
-
الصورة اللي تحت الحوضمنذ ساعتين
-
هاربين من السجنمنذ 3 ساعات
تخيلت أن الأمر سيكون مجرد مفاجأة طريفة؛ زوجة تذهب لتفاجئ زوجها الذي يقضي معظم وقته في العمل، وربما نضحك عندما يراني أمامه فجأة.
لكن عندما وصلت إلى المبنى في مدينة نصر، لم أضحك.
كان مبنى إداريًا عاديًا في شارع مزدحم، تتجاور فيه مكاتب الشركات الصغيرة ومكاتب المحامين والمحاسبين.
وفي المدخل كان هناك حارس يجلس خلف مكتب خشبي صغير، وصعدت إلى الطابق الذي أرسل لي عنوانه في رسالة تأكيد الموعد.
لم أجد شعار مستشفى.
ولم أجد أي لافتة طبية.
كانت هناك فقط لافتة بسيطة باسم المركز، وبجانبها باب زجاجي عليه ملصق صغير مكتوب عليه
التدريب والتأهيل المهني.
استقبلتني موظفة وقالت
أهلًا بحضرتك، أستاذ سامح هيقابلك بعد شوية.
جلست في منطقة الانتظار.
كانت هناك أربع نساء قبلي، تتراوح أعمارهن بين أواخر العشرينيات ومنتصف الخمسينيات.
كانت إحداهن تحمل ملفًا بلاستيكيًا شفافًا، وأخرى تراجع سيرتها الذاتية على هاتفها، وثالثة تمسك حقيبة يدها بكلتا يديها كأنها تستمد منها بعض الثبات.
وكلما ذُكر اسم سامح، كنت ألاحظ التغير نفسه على وجوههن؛ ابتسامة صغيرة، أو هزة رأس، أو نظرة امتنان.
وبحلول اللحظة التي فتحت فيها باب مكتبه، كنت قد تخيلت كل تفسير ممكن تقريبًا، باستثناء الحقيقة.
كانت قطعة الملابس لا تزال بين أصابع سامح عندما دخلت، وخلفه رف طويل مليء بملابس نسائية بأحجام مختلفة، بعضها جديد وبعضها يبدو أنه استُخدم مرات كثيرة، وبجواره صندوق للأحذية ورف صغير عليه أدوات تجميل بسيطة، وعلى الجانب الآخر كانت توجد ستارة تُستخدم لتغيير الملابس.
أما الكاميرا فكانت موجهة نحو كرسي موضوع أمام خلفية بيضاء.
وقفت عند الباب وأنا أمسك حقيبتي بقوة، وشعرت لثوانٍ أن عقلي يرفض أن يجمع كل هذه التفاصيل في صورة واحدة.
كان سامح يعطيني ظهره قبل أن يستدير، منشغلًا بما يفعله، وحين وقعت عيناه عليّ تغير وجهه بالكامل.
قلت
سامح؟
خرج اسمي من فمه كأنه لم يكن يتوقع أن يسمعه هنا.
رنا؟!
بصيت له وقلت
أيوه، رنا.
بلع ريقه وقال
إنتِ بتعملي إيه هنا؟
ضحكت ضحكة صغيرة، بس مكنش فيها أي فرحة.
المفروض أسألك أنا السؤال ده.
قرب مني خطوة، وقال بسرعة
اسمعيني بس، الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة.
بصيت حواليّا وقلت
طب فهمني.
سكت.
ولأول مرة من يوم ما عرفته، شفت سامح مش لاقي كلام يقوله.
وقبل ما يرد، الباب اتفتح ودخلت ست في الخمسينات. أول ما شافتني وقفت مكانها وقالت باستغراب
سامح، مين دي؟
سامح بص لي وبعدين بص لها، ومردش.
أنا اللي جاوبت
أنا مراته.
الست بصت له، وبعدين بصت لي، وقالت
مراتك؟!
ثم قالت وهي تنظر إلى الأرض
أنا مش هقدر أروح.
نظر سامح إلى الساعة المعلقة على الحائط، ثم قال بنبرة هادئة بدت مألوفة لها أكثر مما كانت مألوفة لي
اقعدي يا مها.
جلست.
ثم نظر إليّ سامح، وكأنه ينتظر أن أقرر إن كنت سأغادر.
لكنني بقيت في مكاني.
قلت
مش همشي.
توقعت أن يطلب مني أن نكمل حديثنا في الخارج، أو أن يحاول إخفاء الأمر مرة أخرى، لكنه هز رأسه فقط وقال
حسنًا.
فاجأني رده.
طوال السنوات الثلاث الماضية، كلما سألته عن عمله، كان يقبل جبيني ويقول
يا رنا، أنا بقضي اليوم كله في الشغل، مش ممكن يبقى عندنا حاجة واحدة في حياتنا ما نتكلمش فيها عن الشغل؟
كنت أقتنع في كل مرة، أو أتظاهر بأنني اقتنعت، لكنني في الحقيقة كنت أعود إلى البيت وأنا أشعر أن هناك جزءًا من حياة زوجي لا أعرف عنه شيئًا.
ولأول مرة، لم يطلب مني سامح أن أبقى خارج الأمر.
استدار نحو مها وقال
طيب، نبدأ من الأول، وقولي لي عملتِ إيه خلال تلات وعشرين سنة فاتوا؟
نظرت إليه باستغراب.
ولا حاجة.
لم يتغير وجهه.
تاني.
كنت في البيت.
تاني.
تنهدت مها وقالت
ربيت تلاتة أولاد.
وبعدين؟
اهتميت بالبيت.
وبعدين؟
بدأ الضيق يظهر على وجهها.
سامح، هو أنا لازم أقول إيه تاني؟
ابتسم.
كويس، العصبية بدأت تظهر، وده معناه إنك بقيتي تتكلمي بثقة أكتر، لكن جربي تاني.
ظلت صامتة لحظات، ثم قالت
كنت بمسك مصاريف البيت.
بدأ سامح يكتب.
كنت بنظم مواعيد المدرسة والدروس.
استمر في الكتابة.
أمي كانت مصابة بالزهايمر، وقعدت أرعاها ست سنين.
توقفت يداه.
خفضت مها عينيها، ثم تابعت بصوت أخفض
كنت بظبط مواعيد الدكاترة، والأدوية، والممرضة اللي كانت بتيجي البيت، وبروح معاها المستشفى لما تحتاج، وكنت بتابع الأوراق والتقارير وكل حاجة تخص علاجها.
عاد سامح إلى الكتابة.
كملي.
بدأت الكلمات تخرج منها أسرع.
كانت تتعامل مع الصنايعية عندما يتعطل شيء في البيت، وتتابع مصاريف المدارس، وتنسق مواعيد الأولاد، وتنظم مناسبات العائلة، وتدير ميزانية البيت، وتدفع الفواتير، وتتابع شراء الاحتياجات، وتتصل بالأطباء، وتتعامل مع شركات الرعاية، وتحل مشكلة بعد أخرى دون أن يخطر ببالها يومًا أن أيًّا من ذلك يمكن أن يُكتب في سيرة ذاتية.
وبعد نحو عشر دقائق، أدار سامح شاشة الحاسوب نحوها.
ظلت تنظر إليها طويلًا.
ثم قالت
دي… أنا؟
استند سامح إلى ظهر كرسيه وقال
أيوه، دي إنتِ، بس مكتوبة بالكلمات اللي بيستخدمها أصحاب الشغل.
نظرت إلى الشاشة مرة أخرى.
إدارة الميزانية.
تنظيم الجداول والمواعيد.
التنسيق مع مقدمي الخدمات.
إدارة شؤون الرعاية.
حل المشكلات.
تنظيم الفعاليات.
إدارة المسؤوليات المتعددة في الوقت نفسه.
كانت تنظر إلى حياتها لأول مرة كما لو أنها حياة امرأة أخرى؛ امرأة عملت لسنوات طويلة دون مرتب أو مسمى وظيفي أو حتى كلمة شكر، ومع ذلك كانت تدير بيتًا كاملًا، وتعتني بأم مريضة، وتربي ثلاثة أبناء.
قال سامح
إنتِ طول عمرك كنتِ بتقولي إنك ما اشتغلتيش، مع إن الحقيقة
إنك اشتغلتي أكتر من ناس كتير، بس محدش علمك إزاي تسمي اللي عملتيه.
رفعت مها عينيها إليه.
ولم تجبه.







