
ثم إلى جرح شفته.
قال:
-
جوزي في تجمع عائليمنذ 29 دقيقة
-
جوازي الأولمنذ 29 دقيقة
-
حصان المليونيرمنذ 30 دقيقة
-
في محل بقالةمنذ 7 ساعات
— مين عمل كده؟
قال آدم:
— بسيطة.
اقترب منه.
— سألت مين؟
ذكر آدم اسم الطالب.
هز شاهين رأسه.
قالت أزل:
— الموضوع خلص.
نظر لها.
— واضح إنه مخلصش.
— أنا أمه وأنا هتصرف.
قال:
— وأنا ما قلتش غير كده.
لكن نبرته لم تعجبها.
خرجوا من المدرسة.
وفي الخارج، قالت له:
— مش عايزة الموضوع يكبر.
— مش هكبره.
— ولا تروح لأهل الولد.
— ماشي.
نظرت إليه بتشكك.
— شاهين.
— قولت ماشي.
قال آدم محاولًا تخفيف الموقف:
— على فكرة أنا اللي كسبت الخناقة.
نظرت له أزل.
— اسكت.
ضحك شاهين.
لأول مرة رأته يضحك بصدق.
وتوقفت للحظة تحدق فيه.
لاحظ.
فسكت.
قالت بسرعة:
— يلا يا آدم.
مشى الولد أمامهما.
ثم قال شاهين بصوت منخفض:
— الناس بدأت تتكلم.
قالت:
— عارفة.
— مضايقك؟
— لأ.
نظر إليها.
— كدابة.
قالت:
— مش زي زمان.
— بس لسه بتضايقي.
سكتت.
قال:
— متخليش حد يرجعك لنفس السجن.
التفتت إليه.
— مش هسمح.
قال:
— كويس.
ثم أضاف:
— لأن المرة دي لو سمحتي… هبقى أنا أول واحد يزعقلك.
حدقت به.
— وإنت مالك؟
ابتسم.
— أهو ده السؤال الصح.
ومشى.
—
بدأ شاهين يظهر أكثر في حياة آدم.
في البداية قاومت أزل.
ثم وجدت أنها لا تملك سببًا منطقيًا للرفض.
آدم كان يحتاج إلى مساحة.
وشاهين، رغم كل ما بينهما، كان يعامله برفق لم تتوقعه.
كان لا يسأله عن أبيه.
لا يحاول أخذ مكانه.
لا يشتريه بالهدايا.
فقط يسمعه.
وفي عصر يوم جمعة، ذهبت أزل إلى أرض شاهين لتعيد آدم بعدما تأخر.
وجدتهما بجوار حصان بني كبير.
كان آدم يمسك اللجام.
وشاهين يقف بجانبه.
قال:
— ضهرك مستقيم… متشدش اللجام بعصبية.
ضحك آدم.
— الحصان مش راضي يسمعني.
— عشان عارف إنك خايف.
— أنا مش خايف.
— يبقى متتصرفش كإنك خايف.
توقفت أزل على مسافة.
الجملة أصابتها.
يبقى متتصرفش كإنك خايف.
كم مرة احتاجت هي أن يقول لها أحد ذلك وهي صغيرة؟
لاحظها آدم.
— ماما!
اقتربت.
قال:
— شوفي! ركبت لوحدي.
ابتسمت.
— شاطر.
قال شاهين:
— موهوب.
ردت:
— متكبرلوش دماغه.
قال آدم:
— سيبك منها يا عمو، هي عمرها ما تعترف إني جامد.
قال شاهين وهو ينظر إلى أزل:
— عندها مشكلة قديمة في الاعتراف بالحاجات اللي بتحبها.
تغيرت ملامحها.
فهم آدم شيئًا من التوتر فابتعد ناحية الحصان.
قالت أزل بصوت منخفض:
— إنت مش بتفوت فرصة.
— فرصة إيه؟
— إنك تفكرني.
— أنا مش بفكرك. إنتِ اللي فاكرة.
— شاهين…
نظر إليها.
— نعم؟
ترددت.
ثم سألت:
— ليه متجوزتش؟
الصمت هذه المرة كان مختلفًا.
لم يسخر.
لم يتهرب.
بقي ينظر إليها طويلًا.
ثم قال:
— السؤال بقى مش عادي دلوقتي؟
قالت:
— جاوبني.
أدار وجهه نحو الأرض.
— حاولت.
ارتعش شيء في قلبها.
— يعني؟
— خطبت مرتين.
ابتلعت ريقها.
— وبعدين؟
— فسخت.
— ليه؟
ضحك ضحكة قصيرة.
— الاتنين كانوا كويسين.
— أمال؟
نظر إليها.
— المشكلة كانت فيا.
— إزاي؟
سكت لحظة.
ثم قال:
— كنت ببص لكل واحدة فيهم وأدور على واحدة تانية.
لم تتحرك.
عرفت.
لكنه لم يترك لها فرصة للهروب.
قال:
— كنت أدور على ضحكتها.
خطا خطوة.
— على عصبيتها.
خطوة أخرى.
— على الطريقة اللي بتعض بيها شفايفها وهي بتكذب.
أزل شعرت أن الهواء أصبح أقل.
قالت:
— شاهين…
— وعلى البنت اللي وقفت قدامي عند الغيط وقالتلي سامحني.
اغرورقت عيناها.
قالت:
— كفاية.
— ليه؟
— علشان الكلام ده ملوش لازمة دلوقتي.
— عندك حق.
ابتعد فجأة.
كان ابتعاده أقسى من اقترابه.
قال:
— ملوش لازمة.
تألمت من بروده.
قالت:
— إنت بتعاقبني؟
التفت إليها.
— على إيه؟
— على إني اتجوزت.
ضحك بمرارة.
— كنت.
— كنت إيه؟
— كنت بعاقبك في دماغي سنين.
سكت.
— كنت متخيلك عايشة مبسوطة. سفر وفلوس وبيت كبير وراجل أغنى مني.
قالت:
— وإنت صدقت ده؟
— ماكانش عندي غيره.
بدأ الغضب يصعد فيها.
— كان ممكن تسأل.
قال:
— أسأل مين؟
— أي حد.
— سألت.
اتسعت عيناها.
— مين؟
— أمك.
تجمدت.
قال:
— بعد جوازك بسنة، سألتها عليكي.
شعرت أزل أن شيئًا باردًا مر في جسدها.
— قالتلك إيه؟
نظر إليها.
— قالت إنك مبسوطة وإنك ندمانة على الحكاية اللي كانت بينا.
لم تستطع الكلام.
أكمل:
— وقالتلي إنك طلبتي منها تبلغني إني أنساكي.
أزل تراجعت خطوة.
— أنا… أنا عمري ما قلت كده.
عرف من وجهها أنها تقول الحقيقة.
قال:
— عارف دلوقتي.
دمعتها نزلت.
— هي عملت كده؟
قال:
— أزل…
رفعت يدها.
— لأ.
تنفست بسرعة.
خمسة عشر عامًا.
خمسة عشر عامًا من سوء الفهم.
من الغضب.
من الاعتقاد بأنه كرهها.
وهو كان يظن أنها تخلت عنه بإرادتها.
قالت:
— أنا كتبتلك جواب.
انعقد حاجباه.
— إيه؟
— بعد الجواز بشهرين.
أصبح وجهه ساكنًا.
— جواب؟
— أيوه.
— وصل لمين؟
— بعتّه مع بنت خالتي.
— أنا ماخدتش حاجة.
ارتجفت شفتاها.
— كنت كاتبة فيه إني آسفة… وإني مش كويسة.
اقترب.
— إيه يعني مش كويسة؟
سكتت.
قال:
— أزل.
— خلاص.
— لا مش خلاص.
— قلتلك خلاص.
— هو كان بيأذيكي؟
رفعت عينيها إليه.
ولأول مرة منذ عودتها، لم تستطع التظاهر بالقوة.
شاهين رأى الإجابة قبل أن تنطق.
اختفت كل ملامح البرود من وجهه.
قال بصوت منخفض:
— كان بيعمل فيكي إيه؟
قالت:
— مش عايزة أتكلم.
— أزل.
— مش عايزة.
قبض يده.
— وأنا كنت فاكر إنك…
توقف.
أدار وجهه.
ثم ضرب بقبضته في جذع الشجرة المجاورة.
صرخت:
— شاهين!
ضربها مرة أخرى.
أمسكت ذراعه.
— إنت اتجننت؟!
استدار إليها.
كانت عيناه حمراوين.
— ليه مقولتيليش؟!
صرخت فيه:
— أقولك إزاي؟!
سكت.
قالت وهي تبكي:
— كنت محبوسة في حياة كاملة! تليفوني كان بيتفتش! كل حاجة كنت بعملها كانت محسوبة! وأمي كانت كل ما أشتكيلها تقوللي “جوزك وحر فيكي”!
تراجع.
أكملت:
— كنت عندي تمنتاشر سنة يا شاهين!
صوتها انكسر.
— تمنتاشر.
وضع يده فوق رأسه.
— يا نهار أسود…
— وأنا كنت مستنية جواب منك.
نظر إليها بسرعة.
قالت:
— كل يوم.
بقي يحدق فيها.
— كنت فاكرة إنك قريت ومردتش.
— والله ما وصلني.
أومأت وهي تبكي.
— عارفة.
ساد الصمت بينهما.
ثم قال بصوت مبحوح:
— وأنا ظلمتك.
لم تجب.
— أزل… أنا ظلمتك.
قالت:
— كلنا اتظلمنا.
نظر لها.
ثم قال:
— لأ. إنتِ أكتر.
اقترب.
رفع يده كأنه سيزيل دمعتها.
لكنه توقف قبل أن يلمسها.
ظل كفه معلقًا في الهواء.
لاحظت هي.
لاحظت أنه ينتظر.
أنه لا يلمسها دون إذن.
بعد كل السنوات…
كانت هذه الحركة الصغيرة أقوى من أي كلمة.
خفض يده.
وقال:
— آسف.
سألته:
— على إيه؟
— على كل مرة كرهتك فيها وأنا ماعرفش الحقيقة.
ابتسمت وسط دموعها.
— كرهتني؟
قال:
— حاولت.
— ونجحت؟
نظر إليها طويلًا.
ثم قال:
— لو نجحت، كنت اتجوزت من زمان.
ارتبكت.
أدار وجهه نحو آدم البعيد.
ثم قال:
— بس خلي بالك من حاجة.
— إيه؟
عاد ينظر إليها.
— أنا مش عايز أكون تعويض عن مراد.
تجمدت.
— وأنا مش بدور على تعويض.
— ولا عايزك تختاريني لأنك اكتشفتي إن حياتك معاه كانت وحشة.
اشتعل غضبها.
— إنت شايفني بالشكل ده؟
— أنا خايف أشوف نفسي كده.
سكتت.
قال:
— أنا حبيتك وأنا عندي واحد وعشرين سنة. ويمكن حبيتك وأنا بكرهك. ويمكن لسه…
توقف.
— لسه إيه؟
ابتسم بمرارة.
— متخليشني أقول حاجة إحنا الاتنين مش مستعدين نسمعها.
أخذ آدم ينادي من بعيد:
— ماما! عمو شاهين! تعالوا شوفوا!
نظر شاهين إليها.
ثم قال:
— الحرب بينا لسه مخلصتش يا أزل.
مسحت دموعها.
— ومين قالك إني خايفة من الحرب؟
ظهرت ابتسامة حقيقية على وجهه.
— أهي دي أزل اللي كنت مستنيها.
ردت:
— متفرحش أوي.
— ليه؟
رفعت رأسها.
— علشان المرة دي أنا مش بنت تمنتاشر سنة.
اقترب قليلًا.
وقال بصوت منخفض:
— وأنا المرة دي مش هسيبك تمشي بسهولة.
تسارعت دقات قلبها.
وقبل أن ترد، ابتعد نحو آدم.
أما هي فبقيت مكانها للحظات.
تحدق في ظهره.
وتدرك حقيقة أخافتها أكثر من كل ما سبق.
شاهين لم يعد مجرد ذكرى.
وهي لم تعد المرأة التي تستطيع دفنه داخل قلبها والعيش كأنه لم يكن.
الحرب بدأت فعلًا.
لكنها لم تكن حرب كراهية.
كانت أخطر من ذلك بكثير.
كانت حرب قلبين ضاع منهما خمسة عشر عامًا…
وكل واحد منهما يريد أن يعرف:
هل تأخر الحب؟
أم أن الحب الحقيقي لا يعرف معنى التأخير؟
يتبع في الفصل الثالث: حين يبدأ شاهين في الاقتراب… وتظهر أول غيرة حقيقية بينهما.
لم تكن أزل تعرف أيهما أشد إرباكًا؛ أن تكتشف أن رجلًا انتظرها خمسة عشر عامًا، أم أن تكتشف أن قلبها، الذي ظنت أنها درّبته طويلًا على الصمت، لم يتعلم الصمت أصلًا.
منذ ذلك اليوم في أرض شاهين، تغيّر كل شيء بينهما.
لم يعد يختبئ خلف السخرية دائمًا.
ولم تعد هي قادرة على إقناع نفسها بأن ما بينهما مجرد أثر قديم من حياة انتهت.
صار حضوره قريبًا بصورة تُربكها.
وفي كل مرة كانت تحاول أن تضع حدودًا واضحة، كان القدر نفسه يتفنن في دفعهما إلى بعضهما.
في صباح الاثنين، كانت أزل في المستشفى تراجع ملفات إحدى الحالات حين دخلت الممرضة وقالت:
— دكتورة، فيه دكتور جديد جاي من القاهرة، الإدارة باعتاه يساعد في القسم شهرين.
رفعت أزل رأسها.
— تخصصه إيه؟
— باطنة وحالات حرجة.
بعد دقائق، دخل الطبيب.
كان في أواخر الثلاثينات، أنيقًا، هادئًا، يحمل ابتسامة سهلة.
مد يده.
— دكتور سليم فؤاد.
صافحته أزل.
— أزل الشافعي.
ابتسم.
— أعرف.
رفعت حاجبها.








