قصص و روايات

ازل وشاهين

— تعرف؟

— سمعت عنك قبل ما أجي. قالولي إنك هنا بتاكلي الشغل أكل.

مقالات ذات صلة

ضحكت.

— الناس بتحب المبالغات.

قال:

— أتمنى دي تكون مبالغة لطيفة.

بدأت بينهما علاقة عمل سلسة.

سليم لم يكن فضوليًا.

ولم يحاول التقرب منها بصورة ثقيلة.

كان يعرف كيف يتحدث.

وكيف يخفف ضغط النوبات.

وكيف يضحكها دون أن يتجاوز حدوده.

وذلك تحديدًا ما جعله خطرًا في عين شاهين.

في ظهر أحد الأيام، كان شاهين داخل المستشفى يراجع مع مدير الوحدة بعض الأعمال الجديدة.

خرج من المكتب، فوجد أزل واقفة مع سليم في نهاية الممر.

كانت تضحك.

ضحكة كاملة.

رفع شاهين عينيه إليهما.

لم يفهم شيئًا مما يقوله سليم، لكنه لم يحتج.

رأى فقط أزل تضع يدها على فمها وهي تضحك.

شيء ثقيل تحرك في صدره.

اقترب.

لاحظته أزل.

ابتسامتها خفت قليلًا.

قال شاهين:

— دكتورة أزل.

ردت:

— نعم؟

نظر إلى سليم.

قالت:

— دكتور سليم، زميلنا الجديد.

مد سليم يده.

— أهلًا.

صافحه شاهين.

— أهلًا.

قال سليم مبتسمًا:

— حضرتك المهندس شاهين، صح؟ صاحب مشروع التوسعة؟

— أيوه.

— شغل محترم جدًا.

قال شاهين باقتضاب:

— شكرًا.

نظرت أزل إليه.

عرفت فورًا.

هذه ليست نبرته الطبيعية.

قالت:

— كنت عايزني في حاجة؟

قال:

— كنت جاي أسلم المخططات.

— سيبها عند السكرتارية.

— كنت أفضل أديهالك بنفسي.

قال سليم بخفة:

— واضح إن الدكتورة أزل ماسكة كل حاجة هنا بنفسها.

رد شاهين دون أن يبتسم:

— هي بتحب تمسك كل حاجة بنفسها.

التقطت أزل المعنى.

قالت:

— عندك مشكلة؟

قال:

— خالص.

لكن عينيه كانتا تقولان شيئًا آخر.

سليم، الذي بدا أنه التقط التوتر، قال:

— طيب أنا هروح أشوف الحالة في ١٢.

ابتسم لأزل.

— نشوفك بعدين.

— تمام.

مشى.

ظل شاهين يتابعه بعينيه.

قالت أزل:

— إيه؟

التفت لها.

— إيه إيه؟

— مالك؟

— مفيش.

ضحكت بخفة.

— آه طبعًا.

قال:

— فيه حاجة تضحك؟

— إنت.

تصلبت ملامحه.

— أنا؟

— آه.

اقترب خطوة.

— ليه؟

قالت:

— عشان غيران.

سكت.

لم تنكر عيناه.

لكن لسانه حاول.

— أنا؟

— أيوه إنت.

ضحك ببرود.

— والله؟

— والله.

قال:

— على مين؟

أشارت برأسها إلى الممر الذي ذهب فيه سليم.

— على الدكتور الجديد.

رد بسرعة:

— مش شايف سبب.

قالت:

— يبقى ما تبقاش عامل وشك كده.

— وشي ماله؟

— لو حد شافك يقول الدكتور خطف منك أرض مش قال نكتة.

ظهر طرف ابتسامة رغمًا عنه.

قال:

— قالك نكتة حلوة؟

— جدًا.

— عجبتك؟

— موتتني من الضحك.

تغيرت عيناه.

قالت وهي تكتم ضحكتها:

— خلاص يا شاهين.

— خلاص إيه؟

— متقلقش.

— أنا مش قلقان.

— ومش غيران؟

— لأ.

اقتربت منه قليلًا وقالت بخبث:

— طب بصلي وقلها.

نظر إليها مباشرة.

— أنا مش غيران.

ابتسمت.

— كداب.

وانصرفت.

تركته واقفًا في الممر، للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، يشعر أنه شاب في الحادية والعشرين لا رجل تجاوز أواخر الثلاثينات.

لكن أزل لم تكن تعرف أن الغيرة ليست حكرًا على الرجال.

بعد أسبوع، كانت في بيت أمها حين جاءت إحدى نساء العائلة للزيارة.

جلست بجوار الأم، وبعد دقائق قالت وكأنها تلقي خبرًا عاديًا:

— على فكرة، سها رجعت البلد.

توقفت يد أم أزل فوق الفنجان.

— سها بنت الحاج رفعت؟

— أيوه.

قالت المرأة وهي تبتسم بخبث واضح:

— ولسه زي القمر.

لم تهتم أزل في البداية.

حتى أضافت:

— دي كانت هتتخطب لشاهين زمان.

رفعت أزل رأسها.

ببطء.

قالت:

— مين؟

نظرت لها المرأة.

— سها.

ثم ضحكت.

— أصل إنتِ كنتي بره فمتعرفيش.

قالت أم أزل بسرعة:

— سيبك من الكلام ده.

لكن المرأة كانت قد وجدت بابًا مفتوحًا.

— يا ستي ما هي حاجة معروفة. سها كانت بتحبه جدًا، وأبوها عرض عليه الموضوع أكتر من مرة.

قالت أزل:

— وهو؟

ابتسمت المرأة.

— رفض.

شيء خفيف ارتاح داخلها، لكنها أخفته.

ثم قالت المرأة:

— بس يمكن دلوقتي رأيه يتغير.

أزل لم ترد.

لكنها طوال الليل ظلت تفكر.

من هي سها؟

كيف تبدو؟

ولماذا عاد اسمها الآن؟

وفي اليوم التالي، عرفت الإجابة.

كانت خارجة من المستشفى حين رأت شاهين واقفًا بجوار سيارته.

وكانت هناك امرأة معه.

جميلة.

هادئة.

في منتصف الثلاثينات تقريبًا.

ترتدي ملابس أنيقة، وشعرها منسدل على كتفيها.

كانت تتحدث معه بألفة واضحة.

ثم ضحكت.

وأمسكت ذراعه للحظة.

توقفت أزل دون أن تشعر.

نظر شاهين ناحيتها.

التقت عيناهما.

لاحظ.

بالتأكيد لاحظ.

قالت لنفسها:

— مالكش دعوة.

ثم مشت.

لكنها مشت أسرع من اللازم.

سمعت صوته:

— أزل.

لم تتوقف.

— أزل!

هذه المرة توقفت والتفتت.

اقترب منها.

قال:

— رايحة فين؟

— البيت.

— مستعجلة ليه؟

— وراك تحقيق؟

نظر إلى وجهها.

ثم إلى المرأة الواقفة بعيدًا.

ثم عاد إليها.

ظهرت ابتسامة صغيرة بطيئة.

قال:

— مالك؟

— مفيش.

— أكيد؟

— أكيد.

— طب حلو.

صمت.

ثم قال:

— أحب أعرفك بسها.

قالت ببرود:

— مش مهتمة.

ارتفعت ابتسامته.

— ليه؟

— عادي.

— كانت خطيبتي تقريبًا.

توقفت.

— تقريبًا دي جديدة.

ضحك.

— أبوها كان عايزنا نتجوز.

— واتجوزتوا؟

— لا.

— يبقى خلاص.

قال:

— زعلانة؟

حدقت فيه.

— أنا؟

— آه إنتِ.

— على إيه؟

— إن واحدة كانت عايزة تتجوزني.

قالت:

— والله براحتها.

— وأنا؟

— وإنت إيه؟

اقترب قليلًا.

— براحتك برضه؟

قالت بسرعة:

— طبعًا.

نظر لها طويلًا.

ثم قال:

— كدابة.

اشتعل وجهها.

— إنت قليل الأدب.

ضحك.

— بتغيري.

— مش بغير.

— ودانك احمرت.

رفعت يدها تلقائيًا إلى أذنها.

فضحك أكثر.

— شاهين!

قال:

— طب خلاص.

لكن عينيه كانتا مليئتين بفرح طفولي لم تره فيه من قبل.

قالت:

— على فكرة الموضوع مش فارقلي.

— وأنا مصدقك.

— أسلوبك مستفز.

— وإنتِ جميلة وإنتِ غيرانة.

صمتت.

كانت الجملة بسيطة.

لكنها دخلت إلى قلبها بلا استئذان.

نظر إليها.

ثم هدأ صوته:

— أزل.

قالت:

— نعم؟

— مفيش بيني وبين سها حاجة.

— أنا مسألتش.

— بس كنتي عايزة تعرفي.

سكتت.

قال:

— كانت صاحبة أختي زمان. وأهلها فكروا في الجواز. وأنا رفضت.

— ليه؟

— إنتِ عارفة ليه.

خفضت عينيها.

قال:

— بصيلي.

رفعتها.

— متعقديش الدنيا.

ضحكت بمرارة.

— الدنيا معقدة من قبل ما ترجع تدخل حياتي.

قال:

— أنا ما دخلتش.

— لأ؟

— أنا واقف على الباب.

سكت.

ثم أضاف:

— وإنتِ اللي كل شوية تفتحيه وتقفليه.

أزل لم تجد ردًا.

لأنه كان محقًا.

في المساء، وقف شاهين أمام بيتها.

كان قد جاء بخصوص آدم.

نادت أزل ابنها.

لكن آدم كان خارج البيت.

قالت:

— مش موجود.

— قاللي إنه هيكون هنا.

— نزل مع ابن خالته.

هز رأسه.

كان يمكنه أن يمشي.

لكنه لم يفعل.

قال:

— نشرب شاي؟

نظرت إليه.

— هنا؟

— هو ممنوع؟

ترددت.

ثم قالت:

— ادخل.

جلسا في الشرفة.

كان الصمت بينهما هذه المرة أكثر هدوءًا.

قال شاهين:

— أنا كنت غلطان.

نظرت له.

— في إيه؟

— لما قلتلك إنك اخترتي الطريق الأسهل زمان.

سكتت.

قال:

— مكنتش فاهم إن الخوف ممكن يسجن الواحد بالشكل ده.

قالت:

— أنا كمان كنت غلطانة.

رفع حاجبه.

— في إيه؟

— إني سبتك تصدق إني تخليت عنك.

— كان عندك تمنتاشر سنة.

— برضه.

قال:

— أزل.

— نعم؟

— بطلي تاخدي ذنب كل حاجة.

نظرت إليه طويلًا.

قالت:

— دي عادة.

— يبقى نكسرها.

— إحنا؟

قال بهدوء:

— لو سمحتيلي.

تبدل شيء في ملامحها.

قالت:

— شاهين، أنا خايفة.

— عارف.

— لا، مش عارف.

سكت.

قالت:

— أنا كل مرة أحس إني ممكن أحبك أكتر، بخاف أكتر.

— مني؟

هزت رأسها.

— من فكرة إني أحتاج حد.

سكت.

— لأني اتعلمت إن الاحتياج بيخلي الواحد ضعيف.

رد بهدوء:

— الحب مش احتياج.

نظرت له.

قال:

— الحب اختيار.

ثم أضاف:

— والاختيار ممكن يتغير.

رفعت حاجبيها.

— يعني؟

— يعني لو في يوم حسيتِ إنك مش عايزاني، تقولي.

سكتت.

— ولو قلتي لأ، أنا هحترمها.

قالت بصوت منخفض:

— حتى لو وجعتك؟

— أيوه.

— ليه؟

نظر لها.

— عشان الحب اللي ما يعرفش يسمع “لأ” مش حب.

الجملة دخلت إلى أعمق مكان مؤلم فيها.

ظلّت صامتة.

ثم قالت:

— إنت عارف إن دي أول مرة حد يقولي كده؟

تغير وجهه.

فهم.

قال:

— عارف.

لم يحاول لمسها.

لم يقترب أكثر.

فقط ظل جالسًا أمامها.

وهذا وحده كان كافيًا.

بعد أيام، جاء سليم إلى بيت أزل ليستلم ملفات كانت قد أخذتها معها بالخطأ.

تصادف أن شاهين كان عند الباب في اللحظة نفسها.

نظر إلى سليم.

ثم إلى الملفات.

قال:

— شغل؟

قال سليم:

— للأسف الدكتورة أزل واخدة المستشفى معاها البيت.

ردت أزل:

— غصب عني.

قال شاهين:

— واضح.

سليم ابتسم.

— إحنا مهددينها تاخد إجازة بالعافية.

قال شاهين:

— فكرة ممتازة.

قالت أزل:

— محدش طلب رأيك.

سليم ضحك.

شاهين لم يضحك.

بعد أن رحل سليم، أغلقت أزل الباب ونظرت إليه.

— بجد؟

قال:

— بجد إيه؟

— هتفضل عامل كده كل مرة تشوفه؟

— أنا عملت إيه؟

— وشك.

— وشي ماله؟

تنهدت.

— ماينفعش.

قال:

— إيه اللي ماينفعش؟

— الغيرة دي.

سكت لحظة.

ثم قال:

— طب أنا غيران.

توقفت.

هذه المرة لم ينكر.

قالها ببساطة.

— غيران.

نظرت إليه.

قال:

— وده مضايقك؟

قالت بصراحة:

— مخوفني.

اختفت ابتسامته.

— ليه؟

قالت:

— عشان الغيرة كانت دايمًا أول باب للتحكم.

فهم فورًا.

قال:

— أنا غيران، آه. بس مش هقولك تكلمي مين ومتكلميش مين.

سكت.

— ولا هقولك تسيبي شغلك.

اقترب خطوة.

— ولا هحاسبك على ضحكتك مع راجل.

ثم أضاف:

— ممكن أتغاظ؟ آه.

ابتسمت رغمًا عنها.

— واضح.

ضحك.

— بس ده شعوري أنا. مش مسؤوليتك إنتِ.

رفعت عينيها إليه.

شيء داخلها لان.

قالت:

— إنت اتغيرت.

قال:

— وإنتِ غيرتيني من زمان.

ساد الصمت.

كان قريبًا.

قريبًا جدًا.

لكن لم يلمسها.

قال:

— ينفع أمسك إيدك؟

نظرت إلى يده.

ثم إليه.

ولأول مرة منذ عودتها…

لم يكن السؤال نفسه يخيفها.

مدت يدها ببطء.

ووضعتها في يده.

لم يشدها.

لم يسحبها نحوه.

فقط أغلق أصابعه حولها برفق.

قالت وهي تنظر إلى أيديهما:

— شاهين.

— نعم؟

— متستعجلش.

قال:

— استنيتك خمستاشر سنة.

ثم ابتسم.

— مستعجل على إيه؟

ضحكت.

وكانت ضحكتها هذه المرة له.

هو وحده.

لكن الليلة لم تنتهِ بهدوء.

بعد منتصف الليل بقليل، استيقظت أزل على صوت آدم يصرخ من غرفته.

جرت إليه.

وجدته يتصبب عرقًا ويضغط على بطنه.

قالت:

— آدم!

قال متألمًا:

— بطني يا ماما…

بدأت تفحصه بسرعة.

حرارة مرتفعة.

ألم شديد في الجانب الأيمن.

ملامحها تغيرت.

قالت:

— قوم، إحنا رايحين المستشفى.

أثناء نزولها، اتصلت على أول رقم جاء في ذهنها.

لم يكن رقم الإسعاف.

كان شاهين.

رد من أول رنة.

— أزل؟

قالت بصوت مرتجف:

— شاهين… آدم تعبان.

لم يسأل كثيرًا.

قال:

— أنا جاي.

بعد دقائق كان عند الباب.

حمل آدم بنفسه إلى السيارة.

وفي الطريق، كانت أزل طبيبة تعرف ما قد يحدث.

وأمًا لا تعرف كيف تمنع قلبها من الانهيار.

قال شاهين وهو يقود:

— هيبقى كويس.

قالت:

— متقولش حاجة مش عارفها.

— أنا عارف.

— إزاي؟

نظر إليها لحظة.

— عشان إنتِ معاه.

وصلوا المستشفى.

دخل آدم فورًا.

وبعد الفحوصات، تأكد الاشتباه.

التهاب زائدة حاد.

احتاج إلى جراحة عاجلة.

وقفت أزل أمام باب العمليات.

ولأول مرة منذ سنين، انهارت.

جلست على المقعد.

وضعت وجهها بين يديها.

— أنا دكتورة… أنا عارفة إن العملية بسيطة… بس مش قادرة.

جلس شاهين بجانبها.

لم يلمسها.

انتظر.

ثم قالت هي دون أن ترفع رأسها:

— امسك إيدي.

مد يده فورًا.

تشبثت به.

بقوة.

قال:

— أنا هنا.

رفعت عينيها إليه.

كانت مكسورة.

خائفة.

بلا أقنعة.

قالت:

— متسبنيش.

شيء في عينيه تبدل.

لكنه لم يستغل اللحظة.

قال فقط:

— مش هسيبك.

خرج الطبيب بعد ساعة.

— الحمد لله، العملية تمت كويس.

انهارت أزل بالبكاء.

هذه المرة من الراحة.

دخلت إلى آدم بعد أن أفاق.

كان مرهقًا لكنه ابتسم.

— ماما.

قبّلت رأسه.

— خوفتني منك.

قال:

— عمو شاهين فين؟

توقفت.

— بره.

قال:

— خليه يدخل.

دخل شاهين.

نظر آدم إليه.

ثم قال:

— أنا كنت سامع صوتك قبل العملية.

ابتسم شاهين.

— كنت بزعق في الدكتور.

قال الطبيب من الخلف:

— لا والله كان هادي جدًا.

ضحكوا.

مد آدم يده إلى شاهين.

أمسكها.

قال:

— شكرًا إنك جيت.

رد شاهين:

— أنا هاجي كل مرة تناديني فيها.

نظرت أزل إليه.

وللمرة الأولى، لم تشعر بالخوف من الجملة.

بل بشيء آخر.

الأمان.

وهذا تحديدًا هو ما أخافها أكثر.

لأن الإنسان الذي عاش عمره ينجو وحده…

لا يعرف بسهولة ماذا يفعل حين يجد أخيرًا شخصًا يريد البقاء.

وفي تلك الليلة، وهي جالسة قرب سرير آدم، أدركت أزل أن الحرب الحقيقية لم تعد بين قلبها وشاهين.

بل بين قلبها…

وكل ما علّمها الماضي أن تخشاه.

يتبع في الفصل الرابع: حين يتقدم شاهين خطوة حقيقية نحو أزل… لكن سرًا قديمًا عن مراد يقلب كل شيء.

لم تكن أزل تعرف أن الماضي لا يموت لمجرد أن أصحابه ماتوا.

بعض الأشياء تُدفن مع أصحابها فعلًا.

وبعضها يبقى تحت التراب، ينتظر فقط يدًا واحدة تزيح عنه الغطاء.

بعد عملية آدم بأيام، عادت الحياة إلى إيقاعها الطبيعي ظاهريًا.

لكن أزل لم تعد هي نفسها.

بقيت صورة شاهين وهو جالس بجوارها أمام غرفة العمليات عالقة في ذاكرتها.

لم يسألها ماذا يريد مقابل بقائه.

لم يذكّرها بأنه انتظرها سنوات.

لم يحاول أن يستغل ضعفها ليقترب.

فقط جلس.

وظل.

وكان ذلك، بالنسبة لامرأة اعتادت أن يدفعها كل من حولها ثمنًا لأي مساعدة، أمرًا أكبر من أن يمر بسهولة.

خرج آدم من المستشفى بعد ثلاثة أيام.

وكان أول طلب له أن يذهب إلى بيت شاهين.

قالت أزل وهي ترفع حاجبها:

— حضرتك لسه خارج من عملية.

رد وهو يبتسم:

— مش هركب حصان.

— ولا حتى هتشوفه.

دخل شاهين في اللحظة نفسها، يحمل كيسًا كبيرًا.

قال:

— أنا موافق على القرار.

نظر له آدم بخيانة مصطنعة.

— إنت كمان؟

قال شاهين:

— الدكتور قال راحة.

أزل التفتت له.

— إنت من إمتى بتسمع كلام الدكاترة؟

نظر إليها.

— على حسب الدكتورة.

خفضت عينيها رغمًا عنها.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى